قبل تاريخ يوم مۏتي المفترض بسبعة أيام
العسكرية.
لا أطلب منكِ أن تقدمي لي شيئاً يا أميرة. أنا فقط أريد أن أرى الشخص الوحيد في هذه المدينة اللعېنة الذي امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة اليوم. أعدِلي من هندامك قليلاً. سأرسل لكِ سيارة.
كنت ناوية أرفض. بجد كنت هكتب له إني مچنونة، وإنه ينساني، وإنه كان غلطة. بس ساعتها بصيت تاني على اللوحة اللي مش متفنشة، والنص اللي تحت من المية الفاضي، وافتكرت الشهور الطويلة اللي قضيتها بستنى أكون شجاعة وأعمل حاجة مختلفة.
ماشي كتبت بس ما عنديش أي نية أثيلث إني كويسة.
لم أكن أتوقع أقل من ذلك رد سليم سأخبرك عندما أكون بالأسفل.
بعد نص ساعة، جرس الباب رن.
قلبي نط من مكاني في صدري. بصيت على نفسي في المراية بتاعة المدخل كنت لابسة بالطو طويل، وشي أبيض وعيوني واسعة أوي، انعكاس حقيقي لوحدة ماشية على حبل مشدود. نزلت السلم بالراحة، ورجلي كانت ثقيلة، وأنا بسأل نفسي هو ده جنون فيلم سيء ولا أول فعل تمرد حقيقي في عمري كله.
على باب العمارة مكنش فيه عربية شرطة ولا تاكسي عادي، بس كان فيه عربية سدان سوداء بزجاج مظلل. راجل لابس بدلة وكتوفه عريضة فتح الباب اللي ورا أول ما شافني.
الآنسة أميرة؟ السيد العشري ينتظرك.
ركبت العربية. من جوه كانت ريحتها جلد غالي وبرفيوم خشبي أنيق جداً. طول الطريق وسط الشوارع المنورة في القاهرة، ما حدش نطق بكلمة واحدة. كنت باصة من الشباك على الشوارع وهي بتعدي بسرعة، بأضواء النيون، وزحمة الناس، والطريق اللي ما بيخلصش. كل حاجة كانت لسه بتلف، وقوية، ومش مهتمة بالعد التنازلي بتاعي.
العربية وقفت قدام مبنى ضخم في منطقة راقية في المدينة، مكان عمر ما كنت أتخيل أدخله أصلاً.
نفس الراجل اللي فتح لي الباب مشاني جوه مدخل من الرخام وأسانسير خاص بيطلع دايركت على آخر دور. الباب اتفتح على مكتب ضخم جداً بإزاز من الأرض للسقف، وفيه إضاءة أفق المدينة كلها وهي بتلمع بالليل.
ضهره لي، وباصص على مساحة الأنوار الواسعة دي، كان فيه راجل طويل، في حدود الأربعين، لابس بدلة غامقة مظبوطة على مقاسه تماماً وله هيبة بتملى المكان كله من غير ما ينطق بحرف.
سليم العشري.
وصلتي قال من غير ما يلف في الأول.
لف ووشه ببطء. ملامحه كانت حادة، بملامح واضحة، ونظرة ثاقبة وباردة كأنها بتمسح كل تفصيلة في جسمي، بتدور على أثر المړض اللي كنت بحاول أخفيه.
جيت لأني ما عنديش حاجة أخسرها رديت عليه، وأنا بحاول أثبت صوتي مع إن ركبي كانت بتترعش قلت إنك عايز تشوفني. أهو أنا جيت. إيه اللي عايزه راجل زيك من واحدة متبقي لها سبعة أيام؟
سليم مشي ناحية مكتبه، بس ما قعدش. وقف على مسافة قريبة مني. عيونه الغامقة اتثبتت في عيوني بقوة مبهرة.
طول عمري محاط بالكدابين يا أميرة قال بصوت عميق وهادئ، بيتردد صداه في سهد المكتب ناس بتحلف لي بالولاء وهي بتغرز في ظهري خنجر، شركاء بيابتسموا لي عشان الفلوس وأعداء بيترعشوا بس بيخططوا لسقوطي. مافيش مخلوق، من عشر سنين، قال لي كلمة حقيقة واحدة من غير ما يكون عايز حاجة قصادها.
وخد خطوة كمان ناحيتي.
وبعدين تيجي إنتِ، واحدة غريبة تماماً متبقي لها سبعة أيام في عمرها، وتكتبي لي أصدق حاجة قريتها من سنين. تقولي لي إنك ھتموتي. من غير ما تطلبي حماية، ومن غير ما تتوسلي فلوس. بس
بتكتبي الحقيقة في الفراغ.
مكنش معروف طيبة همست، وأنا حاسة بغصة في حلقي كنت لوحدي. كنت مړعوپة ابن ستين في سبعة و وما كنتش أعرف أقولها لمين غير كده.
سليم سكت كذا ثانية طويلة. ملامحه الصارمة كأنها اتكسرت للحظة، وظهرت فيها مسحة تعبير عميق من التعب اللي كان بيشاركه، بطريقة غريبة جداً، مع تعبي.
الوحدة دي رفيق زفت قال هو بصوت واطي وأنا ملك المكان ده، بس برضو عارف يعني إيه الواحد يكون لوحده خالص في القمة.
مد إيده لناحية ترابيزة صغيرة جانبية كان عليها كاسين وإزازة كريستال كهرمانية.
أنا مش هقعد أتوعد بمعجزات يا أميرة. أنا مش دكتور ولا إله عشان أغير اللي كُتب في التقرير اللي في ملفك. بس هوعدك بحاجة واحدة
بص لي بثبات، وبتصميم شرس خلى نفسي يتقطع.
لو متبقي لك سبعة أيام، مش هتقضيهم لوحدك وأنتِ باصة على لوحة مش متفنشة في شقة ضلمة. السبع أيام دول هيكونوا أصخب، وألمع، وأكثر سبعة أيام حقيقية في تاريخ المدينة دي كلها. وأنا اللي هظبط ده.
دمعة خائڼة نزلت على خدي، مش من الحزن، بس من الوزن الغريب لإحساسي إن فيه حد شافني بجد لأول مرة من شهور.
بصيت لزعيم الماڤيا الخطېر اللي واقف قدامي، الراجل اللي كل الناس بتخافه، ولأول مرة من ساعة ما خرجت من العيادة، حسيت إن الهوا رجع يدخل صدري بقوة.
نبدأ دلوقتي؟ سألته بابتسامة ضعيفة بس حقيقية.
سليم ابتسم بجنب بؤقه، إبتسامة شبه مخفية بس حقيقية، ورفع الكاس.
نهاية القصة