بنتي رجعت من المدرسه حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

أول ما مريم همست وقالت البنت اللي ما رجعتش معانا في الأتوبيس. حسيت إن الدم نشف في عروقي، وبصيت للظابط، لقيته وقف عن الكتابة خالص، وبص لزميله بنفس النظرة الغريبة اللي شفتها أول ما قلتله اسم المدرسة. المرة دي محدش فيهم نطق، وكل اللي قالوه إننا لازم نتحرك على المستشفى فورًا.
أول ما وصلنا، الدكتورة طلبت من الممرضة تحط البطانية في كيس مخصص وتقفله قدامي، وكتبت عليه التاريخ والساعة، وقالت بهدوء إن محدش يلمسه تاني. وفي الوقت ده كان موبايلي ما بطلش يرن... مرة مديرة الرحلة، ومرة المشرفة، ومرة رقم غريب. ولما فتحت الرسائل لقيت مديرة الرحلة باعتالي
مريم مرهقة ومش فاهمة اللي حصل.
وبعدها بدقيقة
كان مجرد وقوع عادي... متكبريش الموضوع.
أما الرسالة التالتة، فخلت قلبي يدق بعنف
ياريت تبعتي مع الظابط البطانية... دي خاصة بمكان الرحلة ومش ينفع تفضل عندكم.
ناولت الموبايل للظابط، فضل يقرا الرسائل واحدة واحدة، وبعدها رفع عينه وبصلي وقال
من فضلك... مترديش على أي حد مهما حصل.
ما عداش نص ساعة، إلا وكانت مديرة الرحلة بنفسها وصلت المستشفى، داخلة بكل ثقة كأنها جاية اجتماع في المدرسة، لابسة هدوم شيك، ووراها المشرفة. أول ما شافتني قالت وهي بتحاول تبتسم
يا مدام... إنتِ مكبرة الموضوع أوي، البنت وقعت بس واتخضت.
لكن الظابط وقف قدامها وقال بحزم
حضرتك مين؟
قالت بسرعة
أنا مديرة الرحلة، والبنت دي كانت تحت مسؤوليتي.
رد من غير ما يتحرك
وعشان كده... مش هتدخلي.
وشها اتقلب في ثانية.
المشرفة حاولت تنقذ الموقف وقالت
هي وقعت في الحمام.
المديرة بصتلها بسرعة وقالت
لأ... عند حمام السباحة.
ساعتها الاتنين سكتوا، وكل واحدة بصت للتانية، وكأنهم اكتشفوا إنهم وقعوا في بعض.
وفجأة موبايل المشرفة رن.
ارتبكت وحاولت تخبيه، لكن الظابط كان أسرع، لمح الرسالة

اللي ظهرت على الشاشة قبل ما تقفلها، وكانت مكتوب فيها
الكاميرات خلاص اتمسحت... فاضل شنطة البنت الحمرا.
مد الظابط إيده فورًا وقال
هاتي التليفون.
المشرفة اتجمدت.
أما مديرة الرحلة، فوشها كله فقد لونه.
في اللحظة دي خرجت الدكتورة من أوضة الكشف، وبصتلهم بغضب واضح وقالت
اللي عمل كده مع طفلة بالشكل ده، وبعدها غسلها، وغير هدومها، وبعتها لأهلها من غير حتى كشف طبي... ده تصرف غير مقبول.
الممر كله سكت.
محدش عرف يرد.
وبعد شوية خرجت مريم لابسة هدوم المستشفى. أول ما شافت مديرة الرحلة شهقت، ورجعت خطوة لورا، وجريت استخبت ورا ضهري.
لكن الست حاولت تقرب منها وهي بتتكلم بصوت هادي أوي
يا مريم... قولي الحقيقة يا حبيبتي... قولي إنك وقعتي... زي ما اتفقنا.
الظابط لف ناحيتها بسرعة وقال
اتفقتوا على إيه؟
مريم دفنت وشها في حضني، وسكتت شوية، وبعدها همست بصوت بالكاد اتسمع
قالولنا... نقول إن حنين ما كانتش معانا أصلًا.
الكلمة دي وقفت الزمن.
المشرفة قعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط.
ومديرة الرحلة حاولت تتحرك ناحية باب الممر، لكن اتنين من أفراد الشرطة وقفوا قدامها.
رفعت مريم وشها وبصتلي وهي بتترعش وقالت
يا ماما...
حضنتها أكتر وقلت
قولي يا قلب أمك... متخافيش.
بلعت ريقها، وبصت ناحية مديرة الرحلة، وبعدها قالت جملة خلت كل اللي واقفين يبصوا لبعض في رعب
حنين... لسه هناك.
الظابط قرب منها بهدوء وقال
هناك فين يا مريم؟
سكتت ثواني، وبعدها أشارت بإيدها ناحية مديرة الرحلة وهمست
في الأوضة... اللي مفيهاش شباك.
الظابط ما سألهاش أي سؤال تاني. أول ما شاف حالتها فهم إن كل كلمة زيادة ممكن تكسرها أكتر، فبعد عنها بهدوء، ورفع جهاز اللاسلكي، وطلب قوة تتحرك فورًا لمكان الرحلة، مع تسجيل بلاغ رسمي باختفاء الطفلة حنين.
وبعدها رجع بصلي وقال
تعرفي اسمها بالكامل؟

هزيت راسي وقلت
حنين عبد الرحمن... عندها عشر سنين، وكانت مع مريم في نفس الفصل، وسافرت معاهم في نفس الرحلة.
في اللحظة دي، المشرفة انهارت وفضلت تعيط بصوت عالي، لكن مديرة الرحلة لفت ناحيتها بسرعة، وقالتلها بنبرة خلت كل اللي في الممر يسكت
اخرسي... ولا تنطقي بحرف.
الكلمة كانت قاسية لدرجة إن حتى أفراد الشرطة بصوا لبعض، ومن غير تردد بعدوا الستين عن بعض، وصادروا موبايلاتهم، ومنعوهم يقربوا خطوة واحدة من بنتي.
ورغم كل اللي حصل، مديرة الرحلة لسه كانت بتحاول تتمسك بكدبتها، وقالت بثقة
حنين أصلًا رجعت مع أهلها بعربيتهم، ومركبتش الأتوبيس.
الظابط رد عليها من غير ما يرفع صوته
تمام... يبقى قولي اسم الشخص اللي استلمها.
اتلخبطت وقالت
الكشوفات مش معايا.
بصلها وقال
الغريب إن المشرفة قالت من شوية إن كل الأطفال ركبوا الأتوبيس سوا.
لفت المديرة تبصلها بنظرة كلها تهديد، أما المشرفة فبدأت ترتعش، وبعد كام ثانية قالت وهي بتعيط
حنين... ما ركبتش.
صرخت فيها المديرة
قلتلك متتكلميش.
الظابط وقف بينهم على طول، وقال بحسم
من اللحظة دي... أي كلمة هتقوليها هتبقى قدام النيابة، ولو حابة تتكلمي يبقى في وجود محامي.
أما أنا، فكنت حضنة مريم بكل قوتي، ومش عايزة أسألها أي حاجة، لأن كل ما كانت تفتكر كانت بتترعش أكتر، وكل اللي كنت بقوله وأنا بمسح على شعرها
خلاص يا قلب أمك... محدش هيقدر يأذيكي تاني... إنتِ في أمان.
بعد شوية وصلت أخصائية نفسية للأطفال، ومعاها ممثلة من النيابة، وقعدوا يشرحولي إنهم مش هيسيبوا بنتي تعيد نفس الكلام لكل واحد يدخل، وإن في تحقيق واحد بس هيتعمل معاها، في أوضة مخصوصة للأطفال، ومن غير مديرة الرحلة، ومن غير أي مدرسة، ومن غير أي حد يحاول يحط كلام على لسانها أو يخوفها.
وأنا لسه بسمعهم، سمعت حد بيجري في طرقة المستشفى، ولما
بصيت لقيت جوزي داخل وهو بينهج، كان في شغله أول ما كلمته، وساق العربية زي المجنون لحد ما وصل، أول ما شاف مريم بلبس المستشفى، وشعرها لسه مبلول، ورجليها كلها خربوش وكدمات، وقف مكانه كأنه اتشل.
قال بصوت مخنوق
إيه اللي حصل لبنتي؟
لكن أول ما قرب خطوة، مريم اتراجعت بسرعة، ومسكت إيدي بقوة أكبر.
وقف هو مكانه، وعينيه امتلوا دموع لأول مرة أشوفها فيه، وقال بصوت مكسور
أنا بابا يا مريم... يا أميرتي.
مريم ما ردتش.
فضلت مستخبية ورا ضهري.
وبعدين همست من غير ما تبصله
ماما قالت... أنا اللي أقرر مين يقرب مني.
غمض عينيه، وبلع ريقه بالعافية، وبعدها هز راسه وقال
معاها حق... براحتك يا حبيبتي.
وراح قعد على كرسي بعيد، من غير ما يحاول يحضنها، ولا يلمسها، ولا حتى يقرب منها.
وساعتها عرفت إن أول قرار صح أخده أبوها من ساعة بدأت الكارثة، هو إنه احترم خوفها... واستنى لحد ما هي بنفسها تطلب الأمان.
بعد ما الدكتورة أكدت إن مريم لازم تفضل تحت الملاحظة في المستشفى، خرجت أنا وجوزي برة الأوضة، كان وشه شاحب، وعينيه كلها خوف، وقال وهو طالع موبايله
أنا هكلم المدرسة دلوقتي.
مسكت إيده بسرعة وقلت
لأ... متعملش كده.
بصلي باستغراب وقال
إزاي؟ دي بنتنا... لازم حد يرد علينا.
هزيت راسي وقلت
الشرطة خلاص دخلت في الموضوع، ولو كلمناهم دلوقتي هنكون اديناهم فرصة يتفقوا على كدبة جديدة قبل ما التحقيق يبدأ.
طلعتله الموبايل ووريته الرسائل اللي كانت مديرة الرحلة باعتاهالي، وحكيتله كمان عن الرسالة اللي الظابط شافها على موبايل المشرفة قبل ما يصادره، واللي كان مكتوب فيها
الكاميرات اتمسحت... ولسه لازم نلاقي الشنطة الحمرا.
لقيت وشه كله اتغير.
بصلي فجأة وقال
شنطة حنين كانت حمرا.
قلت باستغراب
إنت عرفت منين؟
قال وهو بيحاول يفتكر
أنا اللي وصلتها للأتوبيس يوم السفر.
.. أمها كانت معلقة فيها سلسلة على شكل فراشة، وكانت كل شوية توصيها وتقولها متضيعيش الشنطة يا حنين.
الكلام
 

تم نسخ الرابط