بنتي رجعت من المدرسه حكايات صابرين محمد
لأي شكوى إنها تتكذب قبل حتى ما تتحقق.
وفي نفس الوقت كانت قوة من الشرطة بتفتش عيادة الدكتور، ولما وصلوا لقوها مقفولة، لكن بعد ما دخلوها بأمر النيابة، لقوا ملفات عشرات الأطفال من مدارس مختلفة، وأوراق تأمين، وتقارير كشف طبي، وموافقات عليها توقيعات أولياء أمور.
لكن الصدمة إن جزء كبير من التوقيعات كان مزور.
والباقي كان متدس وسط أوراق التقديم في المدرسة، بحيث الأب أو الأم يمضي من غير ما ياخد باله إنه بيديهم صلاحيات يستخدموا بيانات ابنه، أو يفتحوا له ملفات طبية وتأمينية من غير علمه، أو يجروا إجراءات إضافية باسمه، ويصرفوا عليها مبالغ من شركات التأمين، من غير ما أي ولي أمر يلاحظ اللي حصل فعلًا.
التحقيقات بدأت تكشف إن رحلة المدرسة ما كانتش مجرد رحلة.
ولا دار الضيافة كانت مجرد مكان للمبيت.
كان في شبكة كاملة شغالة من سنين.
كل طفل يقع، أو يتعب، أو حتى يتكتب في ورقه إنه وقع، كانوا يطلعوا باسمه مطالبات تأمين، ويصرفوا فلوس علاج وتحاليل ونقل إسعاف عمرها ما حصلت، وبعدها تتقسم الفلوس بين إدارة المكان، والدكتور، والناس اللي متورطة معاهم.
ولو حصلت إصابة حقيقية...
كانوا يعتبروا الطفل ده كنز.
لأن حالته بتخليهم يقدروا يكتبوا تقارير أكبر، ويصرفوا مبالغ أكتر، من غير ما حد يشك.
أما حنين...
فالغلط الوحيد اللي عملته إنها فتحت الملف اللي كانت مخبياه المديرة في الأوضة السرية.
الملف كان فيه صور.
وكشوف حسابات.
وأرقام تحويلات مالية.
ونسخ من مطالبات التأمين المزورة اللي الشرطة بدأت تكتشفها بعد كده.
ولما مديرة الرحلة عرفت إنها شافت الملف، حبسوها في الأوضة السرية عشان يمنعوها تتكلم لحد ما الدكتور يوصل ويقرر يعملوا إيه.
قلبي وقع وأنا بسأل المشرفة
وأهل حنين؟
انهارت في العياط أكتر، وقالت وهي بتشهق
هما كمان عرفوا.
واتضح إن والد حنين كان شغال محاسب في شركة تأمين، ولاحظ قبل الرحلة بأيام إن في مطالبات مالية متكررة طالعة بأسماء
لكن بدل ما تساعده...
بلغت الدكتور بكل اللي حصل.
ومن اللحظة دي...
ما بقاشوا بيطاردوا حنين بس.
بقوا بيطاردوا أسرتها كلها.
الساعة كانت خمسة ونص الفجر، لما الشرطة لقت عربية أهل حنين متروكة جنب طريق سريع.
الموبايلات كانت جوه.
والمفاتيح كمان.
لكن مفيش نقطة دم واحدة.
وسط الحاجات لقوا إيصال مرور إلكتروني حديث، وكاميرات الطريق أكدت إن عربية تانية كانت ماشية وراهم قبل اختفائهم بدقائق.
ومن تتبع خط سيرها، عرفوا إنها دخلت لمبنى بعيد على أطراف المدينة، ومتسجل رسميًا إنه مركز تأهيل وعلاج.
قوة الشرطة اتحركت فورًا.
ولما اقتحموا المكان بعد طلوع الشمس، لقوا والد حنين مربوط على كرسي داخل مكتب.
وأمها فاقدة الوعي بسبب حقنة مهدئة.
لكن...
حنين ما كانتش هناك.
فكوا والدها بسرعة، وكان بيتكلم بالعافية من التعب.
أول سؤال سأله الظابط كان
بنتك فين؟
الرجل بص حواليه كأنه لسه بيستوعب اللي حصل، وبعدها قال بصوت مبحوح
سبقكم... خدها من هنا قبل ما توصلوا بدقائق.
الظابط قرب منه بسرعة وقال
خدها على فين؟
الرجل غمض عينيه، ورد بكلمة واحدة خلت كل اللي في المكان يجري ناحية العربيات
القاهرة.
الساعة كانت داخلة على تمانية الصبح.
البلاغات وصلت لكل كمين.
وصورة العربية اتبعت لكل دورية.
وبعد دقائق، أحد الضباط صرخ
لقيناها.
كاميرات الطريق السريع رصدت العربية وهي داخلة ناحية القاهرة.
والدكتور هو اللي كان سايق.
أما حنين...
فكانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، مكورة على نفسها، ووشها لازق في الإزاز.
في نفس الوقت، كانت مريم لسه في المستشفى.
ولما دخل الظابط يبلغنا، قال إن أهل حنين لقوهم أحياء.
مريم رفعت رأسها بسرعة.
وحنين؟
بصيتلها، وما عرفتش أكدب عليها.
قلت
لسه بيدوروا عليها يا قلب أمك.
أول ما سمعت الكلمة، غمضت عينيها.
وهمست
كل ده بسببي.
حضنتها بسرعة.
لا يا حبيبتي.
قالت وهي بتعيط
أنا اللي قولتلها تفتح الملف.
مسكت إيديها وقلت
الغلط عمره ما كان غلط طفل... الغلط غلط الكبار اللي قرروا يخبوا الحقيقة.
جوزي قرب منها.
وقال بهدوء
مامتك عندها حق.
بصتله.
هيقفلوا المدرسة؟
قال
ممكن.
قالت
المديرة قالت إن كل المدرسات هيتفصلوا بسببي.
رد عليها
الناس الكبيرة بتتحاسب على أخطائها... مش على الحقيقة اللي طفل شجاع قالها.
ولأول مرة، ظهر في عينيها إحساس بسيط بالأمان.
لكن المعركة لسه ما خلصتش.
الدكتور كان فاكر إنه يقدر يغير العربية قبل ما يتم تحديد مكانه.
فدخل جراج مستشفى خاص كان متعاقد مع المدرسة.
لكن فريق التتبع كان بيراجع سجل تحركات جهاز الفراشة اللي كان والد حنين مركبه في شنطتها قبل الرحلة، ولاحظ إن الشنطة كانت بتتنقل باستمرار بين نفس الأماكن اللي الدكتور بيروحها.
ومن خلال السجل ده، ومع مراجعة كاميرات الطرق، وصلوا لفيلا على أطراف المدينة.
الفيلا كانت مسجلة باسم والدة مديرة الرحلة.
الشرطة اتحركت فورًا.
ولما دخلوا المكان، لقوا أجهزة كمبيوتر.
وكاميرات كانت متفكة من دار الرحلة.
وصناديق مليانة ملفات أطفال.
لكن أكتر حاجة خلت الدم يتجمد في عروقهم...
كانت أوضة مجهزة بالكامل.
سرير صغير لطفلة.
ودولاب فيه هدوم جديدة.
وجواز سفر مزور.
وصورة بنت باسم مختلف.
لكن الصورة...
كانت صورة حنين.
الخطة كانت واضحة.
كانوا بيجهزوا هوية مزورة، ويهربوا حنين باعتبارها طفلة تانية، وبعدها يعلنوا اختفاءها، فتختفي أهم شاهدة على كل اللي حصل.
لكن الدكتور ما وصلش للفيلا.
لأنه أول ما لمح عربيات الشرطة حوالين المكان، لف بعربيته وهرب ناحية الطريق الدائري.
وأثناء هروبه، رصدته كاميرات المرور أكتر من مرة، وكانت حنين باينة وهي بتحاول تخبط على الإزاز وتلفت انتباه أي حد يشوفها.
الصور دي اتبعت فورًا لكل الدوريات.
وبعد مطاردة قصيرة، قدرت قوة من الشرطة تحاصره.
حاول يفلت.
لكن فقد السيطرة على
فتح الباب.
ونزل يجري.
أما حنين...
ففتحت الباب الخلفي، ونزلت تجري حافية في وسط الطريق، وهي بتعيط.
أحد الضباط جري عليها، ولف عليها الجاكيت بتاعه.
لكن أول سؤال خرج من بقها ما كانش عن نفسها ولا عن الدكتور.
رفعت وشها وسألت
مريم... رجعت بيتها؟
الظابط طمنها. وبعدها رجع المستشفى.
أول ما دخل أوضة مريم، ابتسم لأول مرة.
وقال
حنين بخير.
مريم فضلت تبصله ثواني وبعدين انفجرت في العياط. وأنا حضنتها بكل قوتي. ولأول مرة من بداية الكابوس حسيت إن ربنا بدأ يرد الحق لأصحابه.
حنين اتنقلت لمستشفى تاني، وهناك اتعملت كل الفحوصات والإجراءات القانونية، وبعدها رجعت لأبوها وأمها، لكن الأطباء والأخصائيين النفسيين رفضوا يخلوها تقابل مريم على طول، وقالوا إن كل واحدة فيهم محتاجة وقت عشان تتعافى بطريقتها، وإن اللقاء لازم يتم في الوقت اللي يشوفوا إنه مناسب ليهم هما الاتنين.
لكن سمحولهم، تحت إشراف الأخصائية، يبعتوا رسايل قصيرة لبعض.
أول جواب كتبته مريم كان سطر واحد
أنا لسه محتفظة بالفراشة بتاعتك.
وبعد يومين وصل الرد
كنت عارفة إنك مستحيل تنسيني.
قريت الرسالتين، وفضلت أعيط، وأنا حاسة إن ربنا لسه بيطمن قلوب الأطفال، حتى بعد كل اللي شافوه.
أما التحقيقات...
فكانت كل يوم بتكشف مصيبة أكبر من اللي قبلها.
المدرسة كلها اتقفلت بالشمع الأحمر.
واتضح إن مديرة الرحلة كانت بقالها سنين بتعمل تقارير نفسية مزورة للأطفال اللي يشتكوا أو يسألوا كتير، وتكتب في ملفاتهم كلمات زي
كثيرة المشاكل.
خيالها واسع.
غير مستقرة.
بتحب تلفت الانتباه.
وإحنا كأهالي كنا فاكرين إن دي تشخيصات طبية.
لكن الحقيقة إنها كانت إشارات بينهم وبين بعض.
أي طفل عليه العلامات دي...
يبقى سهل يكذبوه لو اشتكى.
وسهل يقولوا
متصدقوش كلامه.
وبعد تفتيش الملفات، لقوا عقود مزورة، وفواتير علاج لأطفال عمرهم ما اتعالجوا، ووثائق تأمين اتصرف عليها ملايين الجنيهات
وساعتها عرفنا إن مصاريف المدرسة ما كانتش مصدر دخلهم الحقيقي.
الفلوس الكبيرة...
كانت جاية من الاحتيال على شركات