مرض مراتي حكايات زهرة
تماماً بسبب تصرفي وتجاهلي ليها قدام الكل. أول ما قفلت باب الشقة، لفت ليا وفوراً كلمتني بغضب مكتوم وصوت كله قهر
مالك؟ ليه بتعمل كده؟ هو أنا يعني كنت اشتريت المرض ده ب إيدي؟! هو أنا اللي اخترت يجرالي كده؟!
كنت مخنوق زي العادة، ومش طايق أسمع عتاب، فقررت أهرب بنفس الطريقة المستفزة. فكيت كرافتي وقولت وأنا عاطي لها ضهري
أنا تعبان ومش قادر للمناهدة دي دلوقتي.. نتكلم الصبح.
لكن هيام المرة دي رفضت الهروب. وقفت قدامي بكل قوتها المتبقية، وصرخت فيا بدموع مغرقة وشها
لا! هنتكلم دلوقتي يا أحمد! مش هتهرب تاني! هو كل الوقت اللي قضيناه سوا ده.. السنين اللي عشناهم، أنت مكنتش شايف فيا غير جمالي وبس؟! مكنتش شايف فيا إنسانة، زوجة، روح؟ للدرجادي شكلي هو كل قيمتي عندك؟!
لقيت نفسي، وتحت ضغط خنقتي وعصبيتي، بقرر أكون صريح وجارح لأبعد مدى. قولت لها وعيني في عينها
أيوة يا هيام.. أنا طول عمري الجمال هو أولوياتي في الحياة. أنا بحب المناظر المريحة للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده، مش بإيدي!
الكلمة نزلت عليها كأنها رصاصة في قلبها. سكتت تماماً، ونزلت دموعها في صمت يقطع القلب. بصت لي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة انكسار مخلوط بقرف، وقالت بصوت واطي
وأنا منظري مبقاش يريحك يا أحمد؟
سكت.. ملقيتش كلام أقوله. مكنتش قادر أكدب ومكنتش قادر أواجه قسوة حقيقتي. سكوتي ده كان الإجابة القاتلة ليها.
مسحت دموعها فجأة بحزم وقوة غريبة، ورفعت راسها وقالت لي
خلاص.. طلقني.
أنا في اللحظة دي، الكلمة كانت زي طوق النجاة اللي مستنيه. حسيت إنها جات منها هي عشان ميبقاش شكلي وحش قدام نفسي. قولت لها فوراً ومن غير تردد
زي ما تحبي يا هيام.
اتاني يوم الصبح، هيام لمت كل هدومها وحاجتها، ومشيت راحت عند أهلها من سكات، من غير ما تبص وراها حتى بصه واحدة.
بعد ما قفلت الباب وراها، قعدت على الكنبة. كان جوايا صراع غريب؛ فيه جزء مني حاسس بالذنب والندم لإني اتخليت عن إنسانة ملهاش ذنب في مرضها، بس الجزء الأكبر والأقوى كان بيقولي إن كده أفضل ليا وليها. كنت فاكر ومقتنع تماماً إني كده ارتحت، وإني هقدر أرجع أعيش حياتي المثالية من تاني
دخلت نمت في الأوضة لوحدي، ونمت نوم عميق وطويل كأني كنت شايل جبل وانزاح من على صدري.
تاني يوم، صحيت على نور الشمس وهو ضارب في عيوني بقوة من الشباك. فتحت عيني ببطء وأنا بتثاءب،
بس اللي شوفته وقتها...خلاني أتجمدت في مكاني. النفس اتقطع من صدري، وغبت عن الوعي من شدة الصدمه!
فتحت عيني ببطء، والنور كان حامي جداً. رفعت إيدي اليمين عشان أداري بيها عيني من الشمس، بس أول ما عيني جت على إيدي، اتجمدت في مكاني. النفس اتكتم في صدري، وحسيت كأن جبل وقع عليا.
ظهر إيدي اللي كان دايماً لونه قمحي ومظبوط، كان فيه بقعة بيضا كبيرة، بياضها غريب وشاذ، بياض يشبه بالظبط البقع اللي شوفتها على كوع هيام من كام شهر!
بربشت بعيني كذا مرة.. قولت لنفسي أكيد ده تأثير الشمس، أو يمكن ده حلم، كابوس وهصحى منه. قمت من السرير زي المجنون، جسمي كله كان بيرتعش ورجلي مش شيلاني. جريت على حمام الأوضة، وقفت قدام المراية الكبيرة اللي كنت بقف قدامها بالساعات أظبط شعري ولبسي.
أول ما رفعت راسي وبصيت في المراية.. صرخت صرخة مكتومة، والدنيا لفت بيا، واسودت تماماً في عيني، ووقعت على الأرض فاقد الوعي.
مش عارف عدى وقت قد إيه وأنا مرمي على أرضية الحمام الساقعة. فقت وأنا كلي عرق، وجسمي بينتفض من الرعب. زحفت على ركبي ورفعت راسي للمراية تاني، وأنا بتمنى من كل قلبي إن اللي شوفت يكون هلاوس.
لكن الحقيقة المرة كانت واقفة قدامي بكل قسوة. البقعة مكنتش في إيدي وبس؛ نص وشي الشمال، من عند فكي وطالع لحد خدي، كان متغطى ببقع بيضا، لونها واضح وصريح ومتداخل
قعدت على الأرض أعيط بهستيريا.. عياط عمري ما عيطته في حياتي. كنت بصرخ وبخبط راسي في الحيطة. يارب لأ! مستحيل! أنا؟ ليه أنا؟!. افتكرت كلام الدكتور وهو بيقول إنه مرض مناعي، وافتكرت كلامي القاسي لهيام أنا بحب المناظر المريحة للعين.. وأنا مش قادر أتقبل التغيير ده.
كلامي رجع يدوي في ودني كأنه كرباج بيجلدني. هل دي عقوبة سريعة وفورية من ربنا؟ هل ذنب دموع هيام وقهرتها خلص مني في أقل من 24 ساعة؟
لبست نضارة شمسية كبيرة، ورفعت ياقة القميص عشان أداري وشي، ونزلت جري على نفس الدكتور اللي روحتله مع هيام. كنت بجرى في الشارع وأنا حاسس إن كل الناس بتبص عليا، وكل العيون موجهة ليا، مع إن مفيش حد فاهم حاجة. الإحساس بالخوف والارتياب اللي كنت بسببه لهيام، بقيت أنا اللي عايش فيه في لحظتها.
دخلت للدكتور من غير حجز، ودخلت الأوضة وأنا بنهج. أول ما قلعت النضارة، الدكتور بصلي بذهول
الدكتور بصلي بذهول، وقام من على مكتبه وقرب مني. كشف عليا بدقة، وساد الصمت في الأوضة لدقائق كانت كأنها سنين.
لفت الدكتور ليا وبصلي