مرض مراتي حكايات زهرة

لمحة نيوز


الجملة للاسف يا أحمد.. ده بهاق، ونشط جداً.
مسكته من بالتو الدكتور وأنا بصرخ بهاق إيه يا دكتور؟! أنت مش قولت إنه مش معدي؟! أنا عديتها؟ أنا جالي منها؟!.
الدكتور شد إيدي براحة وقعدني، وقال بصوت هادي وفيه لوم هو مش معدي فعلاً يا أحمد، وعمرك ما هتاخده منها. البهاق جينات كامنة في الجسم، والصدمات النفسية الشديدة أو الضغط العصبي الحاد والزعل هما اللي بيفجروه. أنت كنت تحت ضغط وعصبية وتفكير الفترة اللي فاتت؟.
نزلت إيدي واستسلمت تماماً. ضغط؟ زعل؟ أنا اللي عملت في نفسي كده! أنا اللي قهرت إنسانة ملهاش ذنب، والذنب والندم والخوف اللي كنت بداريهم ورا كبريائي وقسوتي، هما اللي فجروا المرض في جسمي. خرجت من العيادة وأنا بجر رجل الهزيمة ورايا.
مرت الأسابيع، وحياتي اتحولت لجحيم حقيقي. التجربة اللي عيشتها لهيام، بقيت بشرب منها كل يوم كاسات مريرة.
مبقتش قادر أنزل الشغل. قدمت على إجازة مفتوحة، وقعدت في الشقة لوحدي، قافل الشيش والستاير، وعايش في ضلمة كاحلة. مكنتش بطيق أشوف نفسي في المراية، لدرجة إني جبت ملايات سرير وغطيت بيها كل مرايات الشقة.
أصحابي كانوا بيتصلوا بيا عشان نخرج، وكنت بقفل تليفوني بالرابطة. مكنتش قادر أواجه نظرات الفضول والأسئلة اللي أنا نفسي كنت خايف منها لما كنت مع هيام. كنت بفتكر لما صاحباتها سألوها في الفرح وإزاي أنا سيبتها وهربت، وكنت بدمع وأنا بسأل نفسي لو

أنا خرجت دلوقتي وحد سألني.. مين هيقف جمبي ومين هيسندني؟. الإجابة كانت دايماً مفيش حد. أنا وحيد تماماً، وربنا حرمني من الست اللي كانت ممكن تشيلني في رمش عيونها لو العكس هو اللي حصل.
البهاق بدأ ينتشر أكتر؛ ظهر في رقبتي وفي إيدي التانية. بقيت كل يوم الصبح أصحى أدور على بقعة جديدة، وكل بقعة بتظهر كانت بتاكل حتة من كبريائي وغروري القديم. عرفت وقتها إن الجمال ده قشرة خارجية ملهاش أي قيمة، وإن الروح هي اللي بتدوم، بس بعد إيه؟ بعد ما خسرت كل حاجة.
بعد حوالي ست شهور من العزلة التامة، وفقدان الشغف في كل حاجة، تليفوني رن. كان المتصل هو صاحبي الانتيم، اللي كانت مراته صاحبة هيام. ردت عليه بصوت مجهد وتعبان.
قال لي أحمد.. أنت فين يا ابني؟ بقالك شهور مختفي ومحدش عارف عنك حاجة، لدرجة إننا قلقنا عليك جداً. في إيه؟.
حاولت أداري وقولتله مفيش.. شوية تعب وضغط في الشغل ومقضيها نوم.
قال لي بصوت متردد طب.. أنا كنت عايز أقولك حاجة.. أنا عرفت إنك طلقت هيام من فترة.. بس كنت عايز أقولك إن هيام النهاردة بتفتتح الجاليري بتاعها، معرض الرسم اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها. أصحابها كلهم رايحين يدعموها، وأنا قولت لازم أبلغك، جايز تحب تروح أو تصلح اللي انكسر.
أول ما سمعت اسم هيام، قلبي دق بسرعة. معرض رسم؟ هيام رجعت لحلمها؟
نزلت التليفون وأنا في حالة ذهول. أنا هنا بموت في ضلمتي، وهي قدرت تقوم
وتقف على رجليها وتواجه الدنيا. حسيت برغبة عارمة إني أشوفها.. مش عشان أرجع لها، لأني عارف إني مستاهلهاش، بس عشان أشوف إزاي قدرت تنتصر على الوجع اللي أنا سبتهولها.
لبست قميص بكم طويل، وحطيت كاب على راسي ونزلت النضارة على عيني عشان أداري البقع اللي في وشي، وروحت على عنوان الجاليري.
وقفت بعيد، وسط الزحمة، ومستخبي ورا عمود إنارة في الشارع المقابل. كنت ببص من الإزاز الكبير بتاع القاعة.
وجوا.. شوفتها!
كانت واقفة زي الملكة. لابة فستان شيك جداً، ورافعة شعرها لفوق. البهاق كان انتشر في إيديها ورقبتها وحتت من وشها، بس الغريب.. إنها مكنتش حاطة أي مكياج يداريه! كانت سايبة بشرتها على طبيعتها، والبقع البيضا ممتزجة مع بشرتها وكأنها لوحة فنية مرسومة بعناية.
ملامحها كانت بتشع ثقة وقوة، وضحكتها اللي وحشتني كانت منورة المكان كله. الناس كانت بتلف حواليها، بيباركوا لها ويبصوا لها بإعجاب وانبهار مش بشكل المرض، بل بشخصيتها ونجاحها وفنها.
في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي الدكتور قالها زمان وملحقتش استوعبها.. هيام فعلاً كانت لوحة فنية، بس أنا اللي كنت أعمى ومش شايف غير القشرة. هيام بمرضها كانت أجمل بمليون مرة مني وأنا بكامل صحتي وغروري.
وفجأة، وهي بتلف وب تضحك مع الناس، عيونها جت ناحية الإزاز.. وبصت في اتجاهي.
أنا اتجمدت في مكاني. بالرغم من الكاب والنضارة والضلمة اللي كنت واقف فيها،
حسيت إنها عرفتني. نزلت نضارتي ببطء، وبصيت لها.. وشوفت نظرة عيونها.
مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة هادية جداً.. نظرة شخص اتخطى الوجع وساب الماضي وراه ومبقاش يفرق معاه. بصت للبقع اللي في وشي برحمة وشقفه، وهزت راسها بابتسامة خفيفة ومكسورة، ولفت ضهرها ورجعت تتكلم مع ضيوفها.
اللفة دي.. وظهرها اللي ادهولي، كان هو الإعلان الرسمي لنهاية أي أمل ليا في الحياة دي معاها.
رجعت بيتي وأنا بعيط، بس المرة دي مكنش عياط خوف من المرض، كان عياط ندم على خسارة الجوهرة اللي كانت في إيدي ورميتها في التراب عشان مظاهر كدابة.
دخلت الشقة، وشيلت الملايات اللي كانت مغطية المرايات كلها. وقفت قدام وشي المبرقش، وبصيت لنفسي بجرأة لأول مرة من شهور.
قولت لنفسي ده شكلك الجديد يا أحمد.. وده درسك اللي هتعيش بيه لحد ما تموت. ربنا مبيظلمش حد، واللي بيجرح
قلوب الناس بالظاهر، ربنا بيكسر كبريائه بنفس السلاح.
من اليوم ده، قررت أخرج من ضلمتي. مش عشان أرجع زي زمان، لأ، عشان أتعلم أعيش حقيقتي الجديدة. نزلت شغلي، واجهت نظرات الناس كلها واستحملت أسئلتهم بقلب راضي صابر، وبقيت كل ما أبص لإيدي وللبقع اللي فيها، ببتسم وأقول سبحان المقتدر.. يمهل ولا يهمل. وعرفت متأخر جداً، إن الجمال الحقيقي عمره ما كان في لون البشرة ولا في مظهر الهدوم.. الجمال هو نظافة الروح، والرحمة اللي بنعامل بيها غيرنا
لما الدنيا بتجور عليهم.

 

تم نسخ الرابط