التونسية التي أعجزت إبليس قصة حقيقية
اقترحت سيدة عليه تقديم شكوى تتعلق بالخيانة الزوجية، وقالت إن التحقيق سيتولى كشف الحقيقة. كان هذا هو المسار الذي أرادت دفعه إليه، بحسب ما ظهر لاحقًا في الرواية. لكن فتحي، بعد يومين من التفكير المضطرب، قرر مواجهة سعيد بنفسه. كما فكر في مغادرة البلاد إلى إيطاليا بعد ذلك، مستعينًا بالأموال التي ادخرها خلال عمله.
أخبر جوهرة بأنه سيعود إلى ليبيا، بينما بقي في تونس وبدأ يسأل عن سعيد وأماكن وجوده. عرف أنه يجلس عادة في مقهى مقابل محلاته ومنزله، فتوجه إلى هناك وانتظره. وعندما التقاه، واجهه بالاتهام الذي سمعه من سيدة. فوجئ سعيد بالكلام، وأنكر وجود علاقة بينه وبين جوهرة، لكن فتحي لم يكن مستعدًا لتصديق إنكاره.
أخبره فتحي بأن زوجته سيدة هي مصدر المعلومات، ثم انتقلت المواجهة إلى منزل سعيد، الذي كانت زوجته غائبة عنه وتقيم لدى أهلها. وهناك خرج الخلاف عن السيطرة، وانتهى بوفاة فتحي. ومن هذه اللحظة، لم تعد القضية خلافًا زوجيًا قائمًا على اتهام، بل أصبحت واقعة تستدعي تحقيقًا لتحديد ما حدث، ومسؤولية كل من ارتبط بها.
ارتبك سعيد بعد ما جرى، ولم يبلغ السلطات فورًا. وبدلًا من ذلك، حاول إخفاء الواقعة، واتخذ ترتيبات داخل المنزل ظن أنها ستؤخر اكتشافها. وكانت لديه فكرة بنقل ما يخفيه إلى مكان آخر، لكنها لم تنجح، فبقي الأمر داخل الشقة. ثم غادر المنزل واختفى، تاركًا وراءه أسئلة ستبدأ بالظهور خلال الأيام التالية.
بعد أربعة أيام، لاحظ الجيران علامات غير معتادة صادرة من المنزل، ولم يتمكنوا من التواصل مع سعيد. اتصلوا بوالده، وهو رجل مسن يعاني من المرض ويقيم في قرية بعيدة، وطلبوا حضوره للمساعدة في الاطمئنان على ابنه. وعندما فُتح المنزل، أثارت التغييرات الموجودة داخله قلقًا كبيرًا، وأصبح تدخل الشرطة ضرورة لمعرفة ما وراءها.
ظن والد سعيد في البداية أن مكروهًا أصاب ابنه، وتأثر بشدة حتى احتاج إلى النقل إلى المستشفى. كان يستعيد ما يعرفه عنه من مساعدة لأهله واهتمام بالمحتاجين، ولم يكن يملك تفسيرًا لما رآه. لكن الفحص الذي أجرته السلطات كشف لاحقًا أن الشخص المتوفى هو فتحي، وأن سعيد لم يكن موجودًا داخل المنزل.
انتقل اهتمام المحققين إلى البحث عن سعيد، والاستماع إلى المقربين منه ومراجعة تحركاتهم. وخلال المتابعة، لفت أحد أصدقائه الأنظار بسبب شرائه مستلزمات متنوعة، بدت مرتبطة باحتياجات شخص يقيم بعيدًا عن منزله. ساعدت هذه الملاحظة، وفق الرواية، على الوصول إلى مكان كان سعيد يختبئ فيه، بينما يستعد لمغادرة تونس باتجاه الجزائر.
عُثر عليه قبل إتمام خطته، وبدأت مواجهته بما توصلت إليه التحقيقات. أقر بوقوع المواجهة بينه وبين فتحي، وقدم روايته لما حدث داخل المنزل، وأشار إلى آثار إصابات قال إنها مرتبطة بالواقعة. كما ذكر أن فتحي واجهه باتهام مصدره زوجته سيدة، لتصبح إفادتها جزءًا أساسيًا من البحث عن الخلفية التي قادت إلى اللقاء.
استُدعيت جوهرة، فأنكرت الاتهام الموجه إليها، وأكدت أن الكلام الذي وصل إلى زوجها غير صحيح. وبحسب النص المقدم، لم تجد التحريات ما يثبت العلاقة المزعومة بينها وبين سعيد. كانت قد أصبحت طرفًا في قصة صيغت حولها دون علمها، بينما تحولت أقوال امرأة أخرى إلى سبب في شكوك زوجها وقراراته المتسرعة.
وخلال مراجعة خلفية العلاقة بين سعيد وزوجته، ظهر تفصيل غيّر فهم القضية كان سعيد قد تقدم، قبل الواقعة بنحو شهر، بشكوى ضد سيدة تتعلق بالخيانة الزوجية. لم يكن هذا التفصيل معروفًا لفتحي عندما التقاها، ولم تخبره المرأة بأنها تواجه نزاعًا مع زوجها. وبذلك أصبح من الضروري التحقق من الدافع وراء روايتها والاتهامات التي قدمتها.
عند مواجهتها بما ظهر، أقرت سيدة بأنها اختلقت قصة العلاقة بين سعيد وجوهرة. كانت تعرف جوهرة من رؤيتها، وتعلم أن زوجها يعمل في ليبيا، فاستغلت هذه المعلومات لبناء رواية تبدو قابلة للتصديق. ولم يكن هدفها، وفق اعترافها المنقول، كشف حقيقة تخص فتحي، بل التأثير في النزاع القائم بينها وبين زوجها.
كانت تتوقع أن يقدم فتحي شكوى ضد سعيد وجوهرة، ثم تستخدمها للضغط على زوجها كي يتراجع عن شكواه ضدها. وهذا تصورها الشخصي للخطة، وليس تأكيدًا لصحة إجراء قانوني أو لنتيجته. لكنها لم تتوقع أن يقرر فتحي المواجهة المباشرة، فتجاوزت الأحداث المسار الذي رسمته، وترتبت عليها نتائج لم يعد ممكنًا تداركها.
انتهت التحقيقات، بحسب الرواية، إلى عدم ثبوت الاتهام ضد جوهرة، بينما أقر سعيد بمسؤوليته عن وفاة فتحي. ويذكر النص أن المحكمة قضت سنة 2020 بسجنه خمس عشرة سنة، وبسجن سيدة ثلاث سنوات بتهمة الكذب والتحريض. وهكذا انتهت الحكاية بكشف أصلها اتهام مختلق استهدف تحقيق مصلحة شخصية، لكنه قلب حياة أسرتين، وترك جوهرة وابنتها أمام تبعات قصة لم تختارا أن تكونا جزءًا منها.