ما حدث في حي يعقوب المنصور قصة لم ينسَها المغرب ابدًا

لمحة نيوز

لغز منزل حي يعقوب المنصور.. حكاية أسرة بدأت بالغربة وانتهت بقضية غامضة
في سنة 1985، أصبح أحد منازل حي يعقوب المنصور بمدينة الرباط محور قضية مؤلمة، بدأت بملاحظة بسيطة أمام باب مغلق، ثم تحولت إلى تحقيق طويل لكشف ما حدث لأسرة كاملة. لم تكن بداية اكتشاف الواقعة بلاغًا من أحد أفراد البيت، ولا رسالة تكشف وجود مشكلة، بل كانت حافلة مدرسية وصلت في موعدها المعتاد، وانتظرت أبناء الأسرة دون أن يظهر أحد منهم.
وبحسب الرواية التي تستند إليها هذه الحكاية، كان المنزل يضم الحاج علال وزوجته يمنة وأبناءهما الثلاثة. أسرة تبدو حياتها مستقرة، وأب عاد إلى بلاده بعد سنوات طويلة من العمل في الخارج، راغبًا في قضاء بقية عمره بين أهله. لكن لفهم ما انتهت إليه الأمور، لا بد من العودة إلى بداية رحلته، قبل أن يصبح منزله عنوانًا لأسئلة لم تكن سهلة الإجابة.
وُلد الحاج علال سنة 1927 في قرية تابعة لمنطقة أكادير. وعندما بلغ نحو عشرين عامًا، قرر السفر إلى فرنسا بحثًا عن فرصة عمل تساعده على بناء مستقبله. كان ذلك سنة 1947، حين ترك موطنه وبدأ مرحلة جديدة، حمل فيها طموحًا واضحًا أن يعمل، ويدخر، ثم يعود يومًا إلى المغرب وقد أصبح قادرًا على الاستقرار وتكوين أسرة.
امتدت إقامته في فرنسا أكثر من عشرين سنة. وخلال هذه الفترة، عمل بجد ونجح، وفق الرواية، في تكوين مدخرات مكنته من تحسين وضعه المادي. لم تكن العودة بالنسبة إليه مجرد انتهاء مرحلة عمل، بل بداية الحياة التي انتظرها طويلًا. وبعد سنوات من الغربة، أصبح لديه ما يساعده على شراء منزل والزواج والاستقرار قريبًا من جذوره وعائلته.
في الثالثة والأربعين من عمره، اتخذ الحاج علال قرار العودة إلى المغرب. واختار الزواج من يمنة، وهي شابة من قرية مجاورة، كانت تبلغ ثمانية عشر عامًا. ورغم فارق السن بينهما، تصف الرواية سنواتهما الأولى بأنها هادئة، إذ بدأ الزوجان حياتهما في أكادير قبل أن ينتقلا إلى الرباط سنة 1971، حيث استقرا في حي يعقوب المنصور.
اشترى الحاج علال منزلًا يضم كراجًا وطابقين، وأصبح هذا البيت مركز حياة الأسرة الجديدة. ومع مرور السنوات، رُزق الزوجان بثلاثة أبناء ذكور. كانت المسؤوليات تتزايد، لكن وضع الأب المادي أتاح للأسرة قدرًا من الاستقرار، وأصبح المنزل يجمع بين حياة عائلية في طوابقه، ونشاط يرتبط بالمساحات الموجودة في الجزء السفلي منه.
ومع تقدم الحاج علال في العمر وتراجع صحته، بدأت يمنة تتحمل جانبًا أكبر من المسؤولية اليومية. تولت إدارة شؤون المنزل وتوفير احتياجات الأسرة ومتابعة أبنائها، إلى جانب الاهتمام بزوجها. وكان الابن الأصغر يحتاج إلى رعاية إضافية، إذ عانى من مشكلة صحية في ساقيه حدّت من قدرته على المشي، وجعلت احتياجاته مختلفة عن احتياجات أخويه.
هكذا أصبحت يمنة تدير تفاصيل كثيرة داخل البيت وخارجه، بينما كان الحاج علال يعتمد عليها بصورة أكبر. وتساعد هذه الخلفية على فهم موقعها داخل الأسرة؛ فقد كانت الزوجة والأم والمسؤولة عن جانب مهم من الحياة اليومية. أما حالة الطفل الأصغر، فكانت تضيف مسؤولية أخرى إلى واجباتها، وتستدعي اهتمامًا مستمرًا لا ينفصل عن بقية شؤون المنزل.
وتصف الرواية الحاج علال بأنه رجل كريم، حريص على مساعدة أقاربه حين تتاح له الفرصة. وخلال زيارة إلى أكادير، لاحظ أن بعض أبناء إخوته يواجهون صعوبة في العثور على عمل. فقرر اصطحابهم إلى الرباط، وقدم لهم السكن والطعام والمساندة، حتى يتمكنوا من ترتيب أوضاعهم والاعتماد على أنفسهم.
كان من بين هؤلاء شابان هما إبراهيم وأحمد. عمل إبراهيم في الخياطة، وكان حافظًا للقرآن، ويؤم الناس في الصلاة، ولذلك عرفه البعض بلقب الفقيه. أما أحمد فكان يعمل في البناء. وبفضل مساعدة عمهما، أصبحت لديهما فرصة للبحث عن الاستقرار في المدينة، كما صارا على معرفة بالأسرة والمنزل وطبيعة الحياة داخله.
تمضي الحكاية بعد ذلك إلى صباح أحد أيام سنة 1985. وصلت حافلة النقل المدرسي إلى المنزل لنقل الأبناء، لكن انتظارها طال دون أن يخرج أحد. في البداية، كان الغياب قابلًا لتفسيرات عادية، غير أن استمرار الصمت وغياب أي استجابة جعلا الأمر يثير القلق. فالبيت لم يكن يظهر عليه النشاط الذي اعتاده المحيطون به في ذلك الوقت.
لاحظ الجيران أن الباب مغلق، وأن الحركة غائبة تمامًا. ومع تعذر الاطمئنان على الأسرة، جرى إبلاغ السلطات الأمنية. وحضر رجال الأمن بقيادة الضابط إدريس التباع، بحسب النص المتداول، للتحقق من سبب هذا الانقطاع المفاجئ عن الروتين اليومي. وعند دخول المنزل، تبين أن الأب والأم وأبناءهما الثلاثة قد فارقوا الحياة، لتبدأ إجراءات التحقيق في ملابسات الواقعة.
كان اكتشاف غياب أفراد الأسرة جميعًا نقطة التحول الأساسية في القضية. فمنذ تلك اللحظة، أصبح المطلوب تحديد ما جرى داخل المنزل، ومعرفة من دخل إليه، وما إذا كانت هناك صلة بين الواقعة وأموال الأسرة أو ممتلكاتها. وتولى فريق التحقيق فحص المكان وجمع المعلومات، بحثًا عن تفاصيل تساعد على بناء تصور واضح للأحداث.
وخلال المعاينة، لاحظ المحققون اختفاء مجوهرات يمنة وبعض المقتنيات الذهبية. كما اهتموا بحالة الأبواب والنوافذ، إذ لم تظهر، وفق الرواية، علامات واضحة على دخول بالقوة. وكانت هذه الملاحظة سببًا في التفكير باحتمال أن يكون الشخص المرتبط بالواقعة يعرف المنزل وسكانه، أو سبق له الدخول إليه بصورة طبيعية.
لم يكن هذا الاحتمال كافيًا لتوجيه اتهام، لكنه حدد أحد مسارات البحث. بدأ المحققون بمراجعة علاقات الأسرة والأشخاص القريبين منها، والتحقق من تحركاتهم خلال الفترة المعنية. وكان من بين الذين استُدعوا إبراهيم وأحمد، بحكم صلتهما بالحاج علال ومعرفتهما بتفاصيل المنزل، وهي معرفة جعلت سماع أقوالهما خطوة ضرورية في التحقيق.
ذكر إبراهيم أنه كان في جلسة مع بعض حفظة القرآن. أما أحمد فقال إنه قضى الليلة في الغرفة التي كان يستأجرها لدى امرأة مسنة تعيش بمفردها. واستندت روايته إلى أن صاحبة المنزل تغلق الباب الخارجي بنفسها كل مساء، وتحتفظ بالمفتاح معلقًا حول رقبتها، ولا تفتح الباب إلا في صباح اليوم
 

تم نسخ الرابط