ما حدث في حي يعقوب المنصور قصة لم ينسَها المغرب ابدًا
التالي.
بدت هذه التفاصيل، في البداية، مؤيدة لرواية أحمد. فإذا كان الباب مغلقًا، والمفتاح بحوزة صاحبة المنزل طوال الليل، فمن أين يمكنه الخروج والعودة دون علمها؟ وبناءً على المعطيات الأولية، لم يجد المحققون حينها ما يكفي لإثبات تناقض واضح في أقوال الشابين، فتراجع التركيز عليهما مؤقتًا، بينما استمر البحث في اتجاهات أخرى.
ظهر بعد ذلك اسم رشيد، وهو شخص كان يستأجر مساحة للكراج في منزل الحاج علال ويستخدمها في الخياطة. وقد أثار غيابه بالتزامن مع الواقعة اهتمام المحققين. كانت معرفته بالمكان، إلى جانب عدم وجوده خلال تلك الفترة، سببًا للتحقق من تحركاته، دون أن يكون الغياب وحده دليلًا على مسؤوليته عما حدث.
وعندما عاد بعد يومين وحاول فتح محل عمله، أوقفته السلطات للاستماع إلى أقواله. وخلال الفحص، لاحظ المحققون بقعة حمراء على سرواله، فخضعت للتحليل لتحديد طبيعتها. وجاءت النتيجة بأنها صبغة قديمة، وهو ما أزال الشبهة المرتبطة بهذه الملاحظة، وأظهر أهمية الفحص الفني قبل التعامل مع أي علامة باعتبارها دليلًا حاسمًا.
لم يقدم هذا المسار الإجابة المنتظرة، فاضطر فريق التحقيق إلى مراجعة المعطيات السابقة. وعاد الاهتمام إلى إفادتي إبراهيم وأحمد، وبالأخص تفسير أحمد لاستحالة مغادرته مسكنه ليلًا. قرر الضابط إدريس التباع التحقق من المكان نفسه، لأن شهادة صاحبة المنزل بشأن الباب لا تجيب بالضرورة عن كل احتمالات الدخول والخروج.
أُرسل شرطي لمعاينة المنزل، فلاحظ وجود سور خلفي قصير، يمكن عبوره دون استخدام الباب الرئيسي. كانت هذه الملاحظة مهمة، لأنها كشفت أن إغلاق الباب لا يعني أن المكان مغلق من جميع الجهات. وهنا تغير السؤال لم يعد البحث مقتصرًا على من يملك المفتاح، بل شمل وجود طريق آخر يمكن استخدامه دون أن تنتبه صاحبة المنزل.
وبحسب الرواية، جرى اختبار هذا الاحتمال عمليًا. دخل الشرطي إلى الفناء من الجهة الخلفية، ثم خرج ومعه بعض الملابس المعلقة، دون أن تلاحظ المرأة ما حدث. وأظهرت التجربة أن من الممكن الدخول والخروج بهذه الطريقة، وهو ما أضعف الحجة التي استند إليها أحمد لتأكيد بقائه داخل مسكنه طوال الليل.
كانت النتيجة محددة شهادة المرأة عن إغلاق الباب صحيحة في حدود ما تعرفه، لكنها لا تثبت وحدها أن أحمد لم يغادر. فهناك فرق بين التأكد من بقاء الباب مغلقًا، والتأكد من وجود شخص داخل غرفته دون انقطاع. وأصبح هذا الفرق أساسًا لإعادة سؤاله ومواجهة روايته بما كشفته المعاينة.
عندما وُوجه أحمد بهذه المعطيات، تغير موقفه، وطلب حضور إبراهيم قبل أن يتحدث عن بقية التفاصيل. وبوجوده، قدم اعترافًا ربط بينهما في القضية. ووفق الرواية، لم تعد التحقيقات تبحث فقط عن تحركات منفصلة لكل واحد منهما، بل بدأت تنظر في علاقة تجمعهما، وفي دور محتمل لكل منهما ضمن الأحداث التي سبقت اكتشاف الواقعة.
تضمنت أقوال أحمد أن إبراهيم كان يكرر أمامه حديثًا سلبيًا عن يمنة، ويقدم تصرفاتها باعتبارها سببًا لخلافات داخل العائلة. وتناولت هذه الأقوال طريقة لباسها، وقيادتها للسيارة، وإدارتها شؤون المنزل والأموال. كما تضمنت مزاعم بشأن علاقتها بمستأجر الكراج، وهي اتهامات وردت في سياق الاعتراف المنقول، ولا يصح اعتبارها حقائق ثابتة عن الزوجة.
وأشار أحمد أيضًا إلى أن إبراهيم كان يحمل يمنة مسؤولية قرار الحاج علال بيع نصيبه من أرض العائلة لشخص من خارجها. وهكذا دخلت الممتلكات والمال في تفسير الخلاف، إلى جانب الاتهامات الشخصية. وبحسب روايته، استُخدمت هذه الموضوعات لتكوين صورة سلبية عنها، وإقناعه بأنها تتحكم في قرارات عمه وتؤثر في مصالح بقية الأقارب.
ومن النقاط الواردة في الاعتراف أن إبراهيم استند إلى مكانته الدينية بين بعض المحيطين به لإعطاء كلامه وزنًا أكبر. فقد قدم تبريرات زعم أنها دينية لدعم تصرفاته وموقفه من الأسرة. وتعرض الرواية ذلك بوصفه استغلالًا للثقة المرتبطة بصفته، لا دليلًا على صحة تلك التبريرات، ولا مسوغًا لتجاوز حقوق الآخرين أو توجيه اتهامات إليهم.
كما ربط أحمد بين هذا التأثير وبين الحديث عن أموال الحاج علال وما قد ينتقل منها إلى أقاربه. وبذلك أصبحت الصورة، بحسب الاعتراف، تجمع بين خلافات عائلية ومصالح مالية وتأثير شخصي مارسه إبراهيم عليه. وهي عناصر ساعدت المحققين على فهم الخلفية المحتملة للقضية، دون الحاجة إلى إعادة نشر التفاصيل المؤذية الواردة في الرواية الأصلية.
وفي وصف توزيع الأدوار، نسب أحمد إلى إبراهيم ترتيب الخطة، بينما أقر بأنه دخل منزل عمه في الليلة المعنية. وذكر أنه أظهر في البداية أنه غادر بعد العشاء، لكنه بقي داخل المكان بعيدًا عن أنظار الأسرة. وكانت هذه الإفادة ذات صلة بما لاحظه المحققون سابقًا بشأن غياب علامات الدخول بالقوة ومعرفة الشخص المرتبط بالواقعة بتفاصيل البيت.
أما ما جرى بعد ذلك داخل المنزل، فتكتفي هذه الحكاية بالإشارة إلى أنه كان موضوع الاعتراف والتحقيق، وأن أفراد الأسرة الخمسة فارقوا الحياة في تلك الليلة. لا تتطلب متابعة مسار القضية وصف ما تعرض له كل فرد، لأن الوقائع الأساسية اللازمة لفهمها تتعلق بالدخول إلى المكان، وتحديد المسؤولية، واختفاء الممتلكات، ثم مراجعة الأدلة والأقوال.
وبحسب الاعتراف المنقول، أخذ أحمد بعض المجوهرات والذهب، ثم غادر والتقى إبراهيم، الذي كان ينتظره في مكان آخر. وذكر كذلك أنه أخفى مقتنيات وأغراضًا مرتبطة بالواقعة قرب أحد الأسوار. وأصبحت هذه المعلومات جزءًا من الملف، ومن التفاصيل التي كان يمكن للمحققين مقارنتها بنتائج المعاينة وما ثبت لديهم عن الممتلكات المفقودة.
هكذا تجمعت خيوط ظلت متفرقة في البداية معرفة سابقة بالمنزل، وأموال اختفت، وحجة غياب بدا ظاهرها مقنعًا، ثم كشفت المعاينة أنها لا تستبعد المغادرة ليلًا. ولم تكن ملاحظة واحدة كافية لتفسير القضية؛ فقد احتاج الوصول إلى هذه المرحلة إلى مراجعة الفرضيات، وفحص العلامات، والتمييز بين ما توحي به التفاصيل وما يمكن إثباته منها.
بعد استكمال التحقيق، أُحيل أحمد وإبراهيم إلى القضاء للنظر في المسؤولية المنسوبة إلى كل منهما. وتذكر الرواية صدور أحكام بحقهما، لتنتهي مرحلة البحث وتنتقل القضية إلى مسارها القضائي. أما التفاصيل الدقيقة للأحكام وما تلاها، فتحتاج إلى وثائق أو مصادر أرشيفية
موثوقة قبل عرضها بوصفها معلومات مؤكدة.
وتبقى حكاية منزل حي يعقوب المنصور، وفق هذه الرواية، قصة أسرة بدأت بسنوات من العمل والغربة، ثم الاستقرار وتربية الأبناء ومساعدة الأقارب، قبل أن تنتهي بقضية كشفتها لحظة انتظار أمام الباب. ومن بين تفاصيلها جميعًا، يبرز درس التحقيق نفسه أن الإجابة قد تتأخر، وأن أقوالًا تبدو مكتملة تحتاج أحيانًا إلى معاينة بسيطة تكشف ما أغفلته.