رجعت من الجيش بقلم صافى هانى
حد.
قبل ما طارق يسأله أي حاجة، عم جابر مد إيده بمظروف بني قديم، متقفل بالشمع الأحمر.
قال بسرعة
فاطمة قالتلي لو جرالها حاجة، أسلمهولك بإيدك... ومحدش يفتحه غيرك.
طارق مد إيده ياخده...
وفجأة خرج حسام من وراه.
مين ده؟
أول ما عم جابر شاف حسام، وشه اتغير.
لف بسرعة ونزل درجات البيت وهو بيقول
افتح المظروف لوحدك... ولو حد عرف اللي فيه، يبقى فات الأوان.
وجري ناحية العربية.
في نفس اللحظة...
عربية نقل كبيرة دخلت الشارع بسرعة غريبة.
طارق صرخ
حاسب!
لكن كانت متأخرة.
العربية عدت قدام البيت في ثوانٍ، ولما الغبار هدي...
ماكانش فيه لا عم جابر... ولا العربية الصغيرة اللي جه بيها.
كأن الأرض انشقت وبلعته.
حسام ضحك بسخرية.
واضح إن الصدمة لعبت في دماغك.
طارق ما ردش.
بص للمظروف اللي في إيده.
كان الشمع الأحمر عليه ختم غريب...
نسر فاتح جناحاته، وتحته ثلاثة حروف محفورة.
ن . س . ر
الختم ده كان يعرفه.
شافه مرة واحدة بس...
في مهمة سرية قبل دخوله الجيش بسنين.
وكان معناه إن اللي جوه المظروف متعلق بملف قديم اتقفل رسميًا، وممنوع حد يفتحه.
دخل أوضته القديمة وقفّل الباب بالمفتاح.
فتح الشمع بحذر.
جوه المظروف كان فيه
فلاشة معدنية صغيرة.
مفتاح نحاس قديم عليه رقم 27.
وورقة مكتوب فيها بخط فاطمة
يا طارق... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا كنت عارفة إنهم مش هيسيبوني أعيش. متدورش على الحقيقة في البيت... لأن البيت كله كان بيتراقب. السر الحقيقي موجود في المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة... لكن خليك حذر، لأن اللي خد خاتمي مش كان بيدور على دهب... كان بيدور على المفتاح.
طارق عقد حاجبيه.
المفتاح؟
بص للمفتاح النحاسي اللي في إيده.
رقم 27...
لكن الرسالة بتقول إن اللي أخد الخاتم كان بيدور عليه.
يعني...
الخاتم نفسه كان مخبي حاجة.
وفي اللحظة دي، سمع صوت تكة خفيفة جاية من برة الأوضة.
طفى النور بسرعة، وقرب من الباب من غير صوت.
من تحت الباب...
شاف ظل شخص واقف، ومثبت حاجة صغيرة في الخشب.
وبعد ثوانٍ...
الظل
فتح الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن على الباب من برة، كان فيه ظرف أبيض صغير مثبت بدبوس.
ولما فتحه...
لقى جملة واحدة مكتوبة بحبر أسود
لو روحت للمكان اللي اتقابلتوا فيه أول مرة... هتدفن ابنك بإيدك طارق فضل ماسك الورقة ثواني من غير ما يتكلم.
قرأ الجملة مرة... واتنين... وتلاتة.
أي حد غيره كان ممكن يخاف.
لكن هو لاحظ حاجة أهم من التهديد نفسه.
الخط.
مش خط فاطمة.
ولا خط أمه.
ولا حتى خط حسام.
الكاتب كان بيتعمد يغيّر طريقة الكتابة، لكن فيه عادة صغيرة نسي يخفيها... حرف ك في آخر الكلمة كان بيتكتب بنفس الميل الغريب اللي شافه قبل كده في ملفات قديمة.
حط الورقة في جيبه، وخرج كأنه مصدق التهديد.
أمه كانت قاعدة جنب الطفل، تهدهده وهي كل شوية تبص عليه من طرف عينها.
قالت هتدفن مراتك إمتى؟ الناس بدأت تسأل.
طارق رد بهدوء بعد تقرير الطب الشرعي.
سكت البيت كله.
الحاجة هدى قامت واقفة.
إيه طب شرعي؟! دي ماتت قضاء ربنا.
طارق رد من غير ما يرفع صوته لو ماتت قضاء ربنا... يبقى تقرير الطب الشرعي هيقول كده.
حسام ضرب بإيده على الترابيزة.
إنت هتفضحنا في البلد؟
طارق بصله بثبات.
اللي خايف من الحقيقة... هو اللي بيخاف من التقرير.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
كان المأذون، ومعاه اتنين من رجال البلد، جايين يحددوا ميعاد الجنازة.
طارق خرج لهم وقال بكل احترام
الجنازة متأجلة.
أحد الرجال استغرب ليه يا ابني؟
طارق قال لأن عندي شبهة وفاة لازم تتحقق.
الكلمة دي وقعت على أمه كأنها صاعقة.
لكنها حاولت تتمالك نفسها.
بعد ما الناس مشيت، دخل طارق أوضة فاطمة تاني.
أخرج الفلاشة.
كان معاه لابتوب عسكري صغير في شنطته، بيشتغل ببطارية مستقلة.
ركّب الفلاشة...
ظهرت ملفات كتير، كلها محمية بكلمة مرور.
لكن كان فيه ملف واحد مفتوح اسمه
لو وصلت هنا، اسمع للنهاية.
ضغط تشغيل.
ظهر صوت فاطمة... ضعيف، وكأنها كانت بتسجل وهي مرهقة
يا طارق... لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنا مقدرتش أستناك. في ناس كانت بتفتش البيت كل ما تنزل أشتري
فجأة...
اتقطع التسجيل.
مش لأنه خلص.
لكن لأن صوت باب بيتفتح بعنف سمع في الخلفية.
وبعدين صوت فاطمة وهي بتهمس بخوف
إنتوا... إزاي دخلتوا؟!
وبعدها...
صمت تام.
لا صريخ.
لا مقاومة.
بس صوت معدني خافت...
كأنه مفتاح وقع على الأرض.
طارق رجّع المقطع أكتر من مرة.
كل مرة كان يركز على الأصوات.
وفي المرة الخامسة...
سمع حاجة ما انتبهش لها قبل كده.
في آخر ثانية...
كان فيه صوت ساعة حائط بتدق.
أربع دقات متتالية...
ثم لحن موسيقي قصير، مميز جدًا.
طارق عرف اللحن فورًا.
اللحن ده...
ماكانش موجود في بيته.
كان موجود في مكان واحد فقط...
المكان اللي اتعرف فيه على فاطمة لأول مرة.
وقتها أدرك أن التسجيل الأخير...
ما اتسجلش داخل البيت أصلًا طارق قفل اللابتوب ببطء.
كل حاجة كانت بتقول إن حد لعب بالأحداث من أول يوم.
لكن سؤال واحد فضل بيلف في دماغه
ليه فاطمة تخبي مكان التسجيل الحقيقي؟
قام وفتح دولابها مرة تانية.
المرة دي ماكانش بيدور على ورق... كان بيدور على أي حاجة ناقصة.
لاحظ إن كل هدومها موجودة تقريبًا.
إلا جاكت رمادي كانت بتحبه جدًا.
الجاكت ده كانت بتلبسه كل مرة تخرج لوحدها.
يعني آخر مرة خرجت...
كانت لابساه.
لكن الجاكت اختفى.
وفي اللحظة دي افتكر حاجة.
قبل ما يدخل الجيش بأسبوع، فاطمة كانت بتقوله
لو حصل أي ظرف ومقدرتش أوصلك... افتكر المكان اللي وعدتني فيه إن عمرنا ما هنكذب على بعض.
وقتها افتكر المكان.
ماكانش كافيه...
ولا حديقة...
كان مبنى قديم اتجدد وتحول لمكتبة عامة، وهناك اتقابلوا أول مرة بالصدفة.
والمكتبة دي كان فيها ساعة حائط كبيرة... نفس اللحن اللي سمعه في التسجيل.
لبس الجاكيت، وخد الفلاشة والمفتاح رقم 27، وخرج من البيت.
أمه نادته
رايح فين؟
رد وهو فاتح الباب
أجيب حق فاطمة.
أول ما خرج، لاحظ عربية سودة واقفة آخر الشارع.
الزجاج فاميه.
والعربية بدأت تتحرك أول ما اتحرك.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كويس.
ما بصش وراه، لكنه بدل اتجاهه فجأة، ودخل شارع جانبي ضيق.
العربية حاولت تلحقه...
لكن الشارع كان مقفول من آخره بسبب أعمال حفر.
اضطرت تقف.
أما طارق، فكان خرج من ممر صغير بين البيوت، واختفى تمامًا.
بعد حوالي نص ساعة...
وصل للمكتبة.
كانت هادية بشكل غريب.
دخل وسأل الموظف الكبير
الساعة القديمة اللي كانت هنا راحت فين؟
الراجل استغرب وقال
إنت تقصد الساعة اللي كانت بتدق كل ساعة؟
طارق هز رأسه.
الراجل قال
شيلناها من شهر... كانت بايظة. حطيناها في المخزن تحت.
أول ما سمع كلمة المخزن، حس إن قلبه دق أسرع.
استأذن ونزل السلم.
المخزن كان مليان كراتين وأرفف خشب.
وفي آخره...
كانت الساعة الكبيرة مغطاة بقماش أبيض.
رفع القماش.
لاحظ إن باب الساعة الخلفي مفتوح.
كأن حد كان بيفتحه باستمرار.
دخل المفتاح رقم 27 في القفل الصغير الموجود داخلها.
لفه...
سمع صوت تك.
وفجأة خرج درج سري صغير من جسم الساعة.
جواه صندوق معدني أسود.
وعليه ورقة مكتوب فيها بخط فاطمة
لو فتحت الصندوق ده... يبقى عرفت إن السر أكبر من موتي. لكن أوعى تفتحه هنا... لأن في حد بيراقب الساعة من زمان.
وفي نفس اللحظة...
سمع صوت باب المخزن وهو بيتقفل من برة...
ثم صوت خطوات تقيلة بتنزل السلم ببطء...
شخص واحد...
لكن من صوته، كان جاي وهو واثق إن طارق مش هيخرج من المخزن حيًا طارق ما اتحركش.
فضل واقف مكانه، ماسك الصندوق بإيده، وعينه على باب المخزن.
الخطوات قربت...
واحدة...
ورا التانية...
لحد ما وقف صاحبها قدام الباب.
المقبض اتحرك ببطء.
لكن الباب ما اتفتحش.
جاله صوت راجل خشن من الناحية التانية
اعرف إنك فتحت الساعة... وده معناه إن فاطمة وثقت فيك فعلًا.
طارق رد من غير خوف
مين إنت؟
سكت الراجل ثانيتين، وبعدين قال
أنا مش عدوك... لكن لو خرجت بالصندوق دلوقتي، هتموت قبل ما توصل آخر الشارع.
طارق قرب من الباب، وقال
لو كنت عايز تقتلني، ماكنتش هتنبهني.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة.
واضح إن فاطمة كانت عندها حق لما قالت إنك
في اللحظة دي...
اتسمع صوت محرك عربيتين وقفوا قدام المكتبة.
بعدها مباشرة...
أصوات أبواب بتتقفل.
وأكتر من شخص دخل المبنى.
الراجل اللي بره الباب همس بسرعة
اسمعني كويس... الناس اللي وصلت دلوقتي مش