رجعت من الجيش بقلم صافى هانى

لمحة نيوز

 

خد الملف الأصفر فقط، وسيب الباقي. الأهم إن الحقيقة تفضل عايشة، مش الورق.
دور بعينيه.
لقى ملف أصفر صغير بين عشرات الملفات.
أخده وحطه في جاكيته.
وفي اللحظة دي...
سمع صوت باب حديد القبو بيتفتح بعنف.
أصوات أكتر من شخص.
واحد منهم قال
فتشوا كل ركن... هو لسه هنا.
طارق بص حواليه.
ملقاش غير مخرج واحد.
لكن قبل ما يتحرك، لاحظ فتحة صغيرة خلف الأرفف المعدنية.
زحف من خلالها بصعوبة.
وصل لنفق ضيق جدًا.
كان واضح إنه معمول من سنين طويلة.
مشي فيه حوالي خمس دقايق.
لحد ما خرج من فتحة تحت غرفة مهجورة في طرف المبنى.
أول ما خرج...
بص ناحية جمعية النور.
بعد ثوانٍ...
دوى انفجار هز المكان.
سحابة تراب ضخمة طلعت من المبنى.
القبو كله انهار.
طارق وقف مذهول.
لو كان اتأخر دقيقة واحدة...
كان هيدفن تحت الأنقاض.
شد الملف الأصفر من جاكيته.
فتحه بسرعة.
كان جواه صورة واحدة فقط.
صورة قديمة جدًا.
فيها طفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا.
واقف جنبه راجل وواحدة ست.
لكن وشوشهم متغطية بالحبر الأسود.
أما الطفل...
فكان في رقبته نفس السلسلة الفضية اللي علقتها فاطمة في رقبة ابنه أول ما اتولد.
خلف الصورة...
جملة واحدة بخط فاطمة
لو السلسلة لسه مع الطفل... يبقى هو لسه في أمان. لكن أول ما السلسلة تختفي... اعرف إنهم سبقوك.
طارق حط إيده على جيبه.
اتجمد.
لأنه افتكر...
إنه خرج من البيت من غير ما يبص على السلسلة اللي كانت في رقبة ابنه.
وفي اللحظة نفسها...
وصله على هاتفه إشعار بصورة مجهولة.
فتحها...
كانت صورة ابنه نائم في سريره.
لكن رقبته...
كانت فاضية طارق حس إن الدم جمد في عروقه.
فتح الصورة مرة تانية.
كبرها.
ما كانش بيدور على السلسلة...
كان بيدور على أي تفصيلة.
لاحظ إن البطانية اللي مغطية ابنه مش بطانية البيت.
والسرير نفسه مختلف.
يعني الصورة ما اتصورتش في بيته.
في اللحظة دي وصلته رسالة جديدة.
لو عايز تشوف ابنك، متبلغش الشرطة... ومتواجهش أمك دلوقتي. قدامك ساعة واحدة.
تحت الرسالة كان فيه عنوان.
المخزن القديم عند محطة القطار.
طارق ما ردش.
قفل

الموبايل، لكن بدل ما يروح على العنوان مباشرة، وقف دقيقة كاملة يفكر.
لو هما اللي بعتوا الرسالة... أكيد مستنيين أروح.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
يبقى هيراقبوا الطريق.
لف من الناحية التانية، واستعار موتوسيكل من راجل كان واقف عند ورشة تصليح بعد ما عرفه بنفسه، واتجه للمحطة من طريق زراعي بعيد.
بعد نص ساعة...
وصل.
المخزن كان مهجور من بره.
لكن من جوه...
كان النور شغال.
قرب من الشباك المكسور.
سمع صوت طفل بيعيط.
قلبه دق بسرعة.
لكن قبل ما يدخل، لمح كاميرا مراقبة مخفية فوق الباب.
اتراجع خطوة.
بص حواليه.
لقى سلك الكهرباء داخل من فتحة صغيرة في الحائط.
قطع السلك.
النور كله فصل.
وفي نفس الثانية...
اتسمع صوت حد من جوه بيزعق
الكاميرات وقعت!
طارق استغل الظلام، ودخل من الباب الجانبي.
كان بيتحرك بهدوء شديد.
لحد ما وصل للأوضة اللي جاي منها صوت العياط.
فتح الباب...
لقى سرير أطفال.
وفعلاً...
كان فيه طفل.
لكن أول ما قرب...
وقف مكانه.
الطفل مش ابنه.
كان طفل تاني، تقريبًا بنفس العمر.
وجنبه جهاز تسجيل صغير.
أول ما شاله...
اشتغل لوحده.
وجاله صوت فاطمة
عارفة إن أول حاجة هتجري عليها هي صوت طفل بيعيط... ولو لقيت التسجيل ده، يبقى اعرف إنهم بيستخدموا الأطفال كطعم. متدورش على ابننا بالصوت... دور عليه بالإشارة اللي بينا.
طارق غمض عينه للحظة.
الإشارة اللي بينا...
افتكرها.
هو وفاطمة كانوا متفقين إن أي حاجة تخص ابنهما، يحطوا عليها غرزة خيط أزرق صغيرة في طرف القماش.
علامة محدش يعرفها غيرهم.
بص بسرعة للبطانية اللي على الطفل.
مافيهاش الغرزة.
يعني...
ده مش ابنه فعلًا.
وفجأة، سمع صوت باب المخزن الرئيسي بيتقفل بالمفتاح.
وصوت خطوات بتحاصره من كل الاتجاهات.
أدرك أن دخوله للمخزن كان مجرد بداية لفخ جديد... ولم يكن يعرف بعد من الذي ينتظره في الظلام طارق رجّع جهاز التسجيل مكانه بهدوء.
ما حاولش يشيل الطفل.
كان عارف إن أي حركة متهورة ممكن تعرض طفل بريء للخطر.
أطفأ شاشة موبايله، وسحب نفسًا عميقًا.
الخطوات برا كانت بتقرب.
واحد قال
اقفلوا كل المخارج.

ورد عليه صوت تاني
خلوه يدخل لآخر الممر... متستعجلوش.
طارق بص حواليه بسرعة.
المخزن مليان صناديق خشب قديمة.
لكن في آخر الأوضة، كان فيه باب حديد صغير نصه مستخبي ورا رف.
قرب منه.
الباب كان مقفول بسلسلة.
ولما بص في القفل...
اتفاجأ إنه نفس نوع القفل اللي بيفتح بالمفتاح رقم 27.
طلع المفتاح من جيبه.
لفه.
القفل اتفتح.
فتح الباب بحذر.
وراه ممر ضيق بين الحيطان، وفي نهايته أوضة صغيرة.
دخلها وقفّل الباب وراه.
الأوضة كانت فاضية...
إلا من ترابيزة معدنية، وعلبة خشب، وجهاز إرسال لاسلكي قديم.
على الترابيزة ورقة مطوية.
فتحها.
كان مكتوب فيها بخط فاطمة
لو وصلت للأوضة دي، يبقى أنت نجحت تعدّي أول اختبار. من فضلك، أوعى تعتبر كل اللي بيطاردوك أعداء، لأن فيهم ناس مجبرة، وفيهم ناس مخدوعة. الحقيقة أعقد بكتير مما تتخيل.
وتحت الكلام مباشرة
ابدأ بالعلبة.
طارق فتح العلبة الخشب.
جواها...
دفتر صغير أسود.
وفي أول صفحة منه قائمة بأسماء وتواريخ.
كل اسم قدامه علامة.
؟؟
لكن آخر اسم في القائمة خلاه يثبت مكانه.
طارق... ؟؟
يعني...
اسمه هو كان ضمن القائمة.
وكأن حد من سنين...
كان مستني اليوم اللي هيرجع فيه من الجيش.
وقبل ما يقلب الصفحة اللي بعدها...
اتسمع صوت خبطتين خفيفتين على الباب.
ثم صوت بنت صغيرة، عمرها ما يزيدش عن عشر سنين، بتقول بهدوء
عمو طارق... متفتحش بسرعة.
سكتت لحظة.
ثم همست
في راجل واقف ورا الباب، مستني أول ما تفتحه.
طارق قرب من الباب من غير صوت.
وقال بهدوء
وإنتِ مين؟
جاله الرد
أنا أعرف فاطمة... وهي قالتلي لو جيت هنا يومًا، أقولك جملة واحدة.
طارق حبس أنفاسه.
البنت قالت
متصدقش اللي شفته على الخشبة... لأن فاطمة كانت عارفة إنهم هيخلّوك تشوف اللي هم عايزينك تشوفه.
وسكتت...
ثم بدأت خطواتها تبتعد بسرعة، وكأنها كانت بتهرب من شخص يلاحقها طارق وقف مكانه، والجملة الأخيرة بتتردد في ودانه
متصدقش اللي شفته على الخشبة...
لأول مرة، رجع بعقله للحظة اللي شاف فيها فاطمة.
افتكر إنه من شدة الصدمة... ما لمسش نبضها، وما كشفش على جثمانها
بنفسه، واعتمد على كلام أمه.
أخرج كارت الميموري اللي كان مخبيه من أول يوم.
ولأنه كان أخد الطفل معاه بعد ما أنقذه من البيت، فتح التسجيلات للمرة الأخيرة.
كان فيها فيديو صورته فاطمة قبل ولادتها بساعات.
قالت وهي بتبص للكاميرا
يا طارق... لو بتشوف الفيديو ده، يبقى خطتي نجحت. هتفتكر إني مت، وهما كمان هيفتكروا كده. أنا عملت ده لأن في ناس كانت عايزة تخطف ابننا، والأمان الوحيد ليه إنهم يصدقوا إنه مات معايا أو اختفى. حتى إنت ماكنتش ينفع تعرف الحقيقة وقتها.
ثم أخرجت ورقة صغيرة وقالت
عم جابر ساعدني أرتب كل حاجة مع طبيبة أمينة. والست اللي كانت على الخشبة... كانت جثمان مجهول الهوية كانت المستشفى بتستعد لتسليمه للدفن بعد الإجراءات القانونية، والعصابة استغلت الفوضى، لكن إحنا قلبنا خطتهم عليهم.
تنهدت وهي تكمل
أنا هستخبى فترة، ولما تتأكد إن الملف وصل لك، وإن ابني بقى في أمان، هقابلك في المكان اللي اتجوزنا فيه.
طارق حس إن الدنيا رجعت تدور من تاني.
جرى للمكان المكتوب في آخر الفيديو.
كانت شجرة الجميز الكبيرة اللي شهدت كتب كتابهم.
وقف هناك دقائق...
ثم سمع خطوات هادئة.
لف.
كانت فاطمة.
ضعيفة، مرهقة، لكن واقفة على رجليها.
جريت ناحيته وهو جرى ناحيتها.
فضلوا واقفين من غير كلام، وكل واحد فيهم متأكد إن التاني عدى جحيم كامل عشان يحمي أسرته.
بعد أيام، سلّم طارق كل الملفات للنيابة، وانكشف أن شبكة كبيرة كانت تزور أوراقًا رسمية وتستغل الأطفال حديثي الولادة لإخفاء هويات بعضهم مقابل الأموال. أما أمه، فثبت أنها لم تكن العقل المدبر، لكنها أخفت الحقيقة وساعدت أفرادًا من الشبكة خوفًا وابتزازًا، فنالت عقابها أمام القانون، بينما حوسب كل من شارك في الجريمة.
أما حسام، فاعترف بكل ما عرفه، وساعد في الوصول إلى بقية أفراد الشبكة، فاعتُبر شاهدًا بعد أن ثبت أنه لم يشارك في القتل أو الخطف.
عاد طارق إلى بيته، وهو يحمل ابنه بين ذراعيه، وفاطمة تسير بجانبه.
بصت له وقالت بابتسامة
كنت واثقة إنك هتفهم الرسائل كلها.
ابتسم وهو ينظر إلى طفلهما
وأنا
كنت واثق إنك مستحيل تسيبيني من غير دليل.
انتهت القصة، لكن الدرس ظل باقيًا
الحقيقة قد تختفي لفترة، لكنها لا تموت. ومن يبني حياته على الكذب، يأتي يوم يقف فيه أمام الحقيقة وحده، مهما طال الزمن.

تم نسخ الرابط