رجعت من الجيش بقلم صافى هانى

لمحة نيوز

 

جاية علشان الصندوق... جاية علشان الحاجة اللي جواه.
طارق سأل
وإيه اللي جواه؟
الراجل قال
أنا معرفش... لأن فاطمة هي الوحيدة اللي كانت تعرف. هي طلبت مني أحرس المكان لحد ما ترجع... لكنها ما رجعتش.
قبل ما طارق يسأله سؤال تاني...
انفجر صوت تكسير فوق.
حد كان بيكسر باب المكتبة الرئيسي.
ثم صوت حد بيصرخ
فتشوا كل دور... المخزن أولًا!
الراجل اللي بره الباب خبط خبطة خفيفة وقال
في آخر المخزن فيه فتحة تهوية قديمة. هتوصلك للجنينة الخلفية. امشِ حالًا... ومتفتحش الصندوق مهما حصل.
طارق جرى ناحية آخر المخزن.
وبالفعل لقى شبكة حديد قديمة.
فكها بصعوبة، وزحف وسط الممر الضيق وهو شايل الصندوق.
خلفه مباشرة...
اتفتح باب المخزن بعنف.
وسمع صوت حد بيقول
هو كان هنا من ثواني!
طارق خرج للجنينة الخلفية، وقف ينفض هدومه، وبص للصندوق.
كان صغير... لكنه تقيل بشكل غير طبيعي.
وفي زاويته السفلية، لاحظ مسمارًا بارزًا.
ضغط عليه بالصدفة...
فطلع درج جانبي مخفي.
مش محتويات الصندوق...
بل تجويف صغير جدًا.
جواه شيء واحد فقط...
خاتم زواج فاطمة المفقود.
لكن الغريب...
الخاتم من الداخل كان محفور عليه تاريخ.
وده ماكانش تاريخ جوازهم...
ولا تاريخ خطوبتهم...
كان تاريخ هييجي بعد أسبوعين من اليوم.
وكأن فاطمة كانت بتحاول توصله رسالة...
إن السر الحقيقي...
لسه ما حصلش طارق قلب الخاتم بين صوابعه أكثر من مرة.
التاريخ المحفور كان واضح جدًا.
15 7
رفع حاجبه.
مستحيل...
فاطمة كانت دقيقة في كل حاجة، وعمرها ما كانت تنقش تاريخ غلط.
يعني التاريخ ده مقصود.
بص داخل الخاتم تحت ضوء الشمس.
لاحظ إن النقش مش مجرد أرقام.
فيه نقطة صغيرة جدًا بين الرقمين.
ضغط عليها بطرف دبوس كان في جيبه.
صدر من الخاتم صوت تك خافت.
واتفتح جزء رفيع جدًا من الداخل.
خرج منه شريط ورق ملفوف، أرفع من عود الكبريت.
فرده بحذر.
كان مكتوب عليه بخط فاطمة
لو وصلت للخاتم، اعرف إنهم هيحاولوا يخلوك تستنى يوم 15. متستناش... لأن اللي هيحصل في اليوم ده نتيجة، مش بداية. البداية موجودة

تحت اسم النور.
طارق كرر الكلمة بصوت منخفض
النور...
الاسم كان مألوف.
وفجأة افتكر.
قبل ما يدخل الجيش، فاطمة كانت بتروح كل شهر لمكان اسمه مخزن النور، جمعية خيرية كانت بتوزع مساعدات على الأسر، وكانت بتتطوع هناك.
لكن الغريب...
الجمعية قفلت من سنتين.
أو على الأقل...
ده اللي الناس كلها كانت فاكراه.
رن هاتفه.
رقم خاص.
رد فورًا.
جاله نفس الصوت الخشن اللي كلمه عند باب المخزن.
بص وراك... بس متلفش.
طارق ثبت مكانه.
الصوت كمل
في عربية بيضا من أول ما خرجت من المكتبة وهي وراك. فيها أربعة... واتنين منهم مسلحين.
طارق مشي بهدوء كأنه ما سمعش حاجة.
الصوت قال
اسمعني... فاطمة كانت بتحاول تحمي حاجة أكبر من نفسها. لو وقعت في إيد الناس دي، مش هتضيع عيلتك بس.
طارق سأل
إيه هي الحاجة دي؟
رد الراجل
أنا أعرف مكانها... لكن معرفش حقيقتها.
وقبل ما يكمل...
انقطع الاتصال.
في نفس اللحظة، وقفت العربية البيضا بعرض الطريق.
نزل منها أربعة رجال.
كلهم لابسين ملابس عادية.
لكن طريقة انتشارهم كانت احترافية.
واحد وقف قدامه وقال بهدوء
أستاذ طارق... معانا أمر إننا ناخد الصندوق. ولو سلمته، هتمشي من هنا أنت وابنك من غير أذى.
طارق بص للصندوق...
ثم بص للراجل.
وقال بابتسامة هادئة
الغريب إنكم كلكم بتطلبوا الصندوق...
وسكت لحظة.
...ولا واحد فيكم سألني إذا كان لسه معايا أصلًا.
الراجل اتغيرت ملامحه.
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت صفارة قطار قريب غطى على المكان كله.
ولما الرجال بصوا للحظة ناحية مصدر الصوت...
كان طارق اختفى بين مخازن قديمة على جانب السكة.
لكنهم ما كانوش يعرفوا...
إنه قبل ما يختفي بثوانٍ...
كان قد بدّل الصندوق بحقيبة قديمة ملقاة بجوار سور المخزن.
أما الصندوق الحقيقي...
فكان مخبأً تحت معطفه، متجهًا إلى مكان واحد فقط...
مخزن النور طارق وصل قبل المغرب بدقائق.
وقف بعيد، وبص للمبنى القديم.
اللافتة اللي كان مكتوب عليها جمعية النور الخيرية كانت مكسورة، والتراب مغطيها، والشبابيك كلها مقفولة بألواح خشب.
أي حد يشوف المكان هيحلف
إنه مقفول من سنين.
لكن طارق لاحظ حاجة.
آثار كاوتش عربية حديثة على التراب.
يعني...
في حد لسه بيدخل ويخرج من هنا.
لف من ورا المبنى.
كان فيه باب حديد صغير، عليه قفل كبير.
لكن القفل نفسه... جديد.
ابتسم.
يعني المكان مقفول... بس بيتقفل كل يوم.
طلع من جيبه سلك رفيع كان محتفظ بيه من أيام خدمته.
بعد أقل من دقيقة...
القفل فتح.
دخل بهدوء.
الجو كان مليان تراب، لكن الأرضية لا.
فيه ممر واضح، متكنس بعناية.
مشى وراه.
وصله لأوضة صغيرة كانت زمان مكتب الإدارة.
فتح الباب...
لقى مكتب خشب قديم، وخزانة ملفات، وصورة جماعية متعلقة على الحيطة.
قرب من الصورة.
كانت لمجموعة متطوعين.
وفاطمة كانت واقفة في آخر الصف.
لكن اللي شد انتباهه...
إن فيه شخص واقف جنبها، ووشه متقطع بموس.
حد تعمد يشيل ملامحه من الصورة.
طارق فك الصورة من الحيطة.
وراها مباشرة...
كان فيه مفتاح كهربا مخفي.
ضغط عليه.
سمع صوت موتور اشتغل تحت الأرض.
وبعد ثواني...
المكتبة الخشب اللي جنب المكتب اتحركت لوحدها.
ظهر سلم نازل لتحت.
نزل بحذر.
كل خطوة كانت تقربه من سر فاطمة.
وصل لقبو واسع.
لكن مش قبو عادي.
كان عبارة عن أرشيف ضخم.
أرفف معدنية مليانة صناديق.
وكل صندوق عليه رقم.
١...
٥...
١٢...
٢٧...
وقف قدام الصندوق رقم ٢٧.
طلع المفتاح النحاس.
لفه.
الصندوق اتفتح.
لكن بدل ما يلاقي دهب أو فلوس...
لقى عشرات الملفات.
كل ملف عليه اسم.
وأسماء ناس من البلد... ومن بلدات تانية.
وشهادات ميلاد.
وعقود ملكية.
وصور قديمة.
وفوق الكل...
ملف أحمر مكتوب عليه بخط فاطمة
لا تفتحه إلا إذا تأكدت إن ماما هدى كانت بتكدب.
طارق مد إيده...
وقبل ما يلمس الملف...
اشتغل جهاز تسجيل قديم كان فوق الرف.
وصوت فاطمة ملأ القبو
لو وصلت هنا يا طارق... يبقى أنت بقيت في قلب الحقيقة. لكن أوعى تحكم على أي حد قبل ما تقرأ الملف الأحمر. لأن الشخص اللي كنت فاكره بيحميني طول السنين... هو أول واحد سلمني للخطر.
طارق حس إن أنفاسه اتسارعت.
في دماغه أسماء كتير.
لكن ولا اسم كان مستعد يسمعه.
مد إيده
ببطء...
وفتح الملف الأحمر...
وفي أول صفحة...
اتسعت عينه من الصدمة طارق قلب أول صفحة... ثم الثانية.
ملامحه ما اتحركتش.
لكن إيده اللي كانت ماسكة الملف شدت عليه بقوة.
الصفحة الأولى ما كانش فيها اعتراف.
كان فيها تقرير قديم.
تاريخه يرجع لأكتر من عشرين سنة.
وفي آخره جملة مكتوبة بالقلم الأحمر
تم إخفاء الطفل حفاظًا على الأمانة، ويُمنع تسجيل اسمه الحقيقي في أي سجل مدني.
طارق عقد حاجبيه.
طفل؟
قلب الصفحة اللي بعدها.
لقى خريطة قديمة للبلد، وعليها دوائر حوالين كذا بيت.
واحد من البيوت...
كان بيته هو.
وبيت تاني...
كان بيت عم جابر.
وفي آخر الصفحة، بخط فاطمة
الأمانة مش شيء... الأمانة شخص. وكل اللي حصل كان علشان يوصلوا له.
طارق وقف مكانه.
بدأت قطع البازل تتركب.
كل اللي كان بيدور على الصندوق...
والمفتاح...
والخاتم...
ما كانش هدفه أوراق ولا فلوس.
كانوا بيدوروا على هوية شخص.
وفجأة...
افتكر أول سؤال سأله أول ما دخل البيت
ابني فين؟
ساعتها أمه ردت بسرعة جدًا...
كأنها كانت مستعدة للإجابة قبل حتى ما يسأل.
رجع بعقله لكل كلمة قالتها.
وكل حركة عملتها.
وخفق قلبه بقوة.
همس لنفسه
يا ترى... هم كانوا مستنيين رجوعي... ولا كانوا مستنيين آخد ابني وأسلّمه لهم من غير ما أعرف؟
قبل ما يكمل قراءة الملف...
اتسمع صوت إنذار خافت في القبو.
ثم صوت آلي خرج من سماعة صغيرة
تم فتح الملف رقم 27... بدأ العد التنازلي.
طارق رفع رأسه بسرعة.
بص حواليه.
على الحائط المقابل كانت شاشة صغيرة اشتغلت لوحدها.
ظهر عليها رقم أحمر
1000
وبدأ ينزل...
0959
0958
وفي نفس اللحظة...
رن هاتفه.
رد بسرعة.
جاله صوت مبحوح مليان خوف
يا طارق... خد ابنك واهرب حالًا... هم عرفوا إنك وصلت للملف.
طارق سأل بحدة
إنت مين؟
الرد خلا الدم يتجمد في عروقه.
أنا... فاطمة.
ثم انقطع الخط طارق فضل باصص للموبايل.
الشاشة بتأكد إن المكالمة انتهت.
لكن الاسم...
رقم غير معروف.
قلبه قال له مستحيل.
وعقله قال له فيه تفسير.
فاطمة ماتت...
هو بنفسه شافها.
يبقى مين اللي اتكلم؟
بص
للشاشة اللي قدامه.
العداد وصل إلى
0841
ماكانش عنده رفاهية التفكير.
فتح الملف بسرعة.
في أول ظرف داخله، لقى ورقة بعنوان
تعليمات الطوارئ.
فتحها.
كان مكتوب بخط فاطمة
لو النظام اشتغل، يبقى حد فتح القبو بعدك أو راقب فتحه. متحاولش تاخد كل الملفات.

 

تم نسخ الرابط