عزمت خدامة بقلم زيزى احمد

لمحة نيوز


قبل ما أبدأ، في شخص لازم يسمع الكلام بنفسه.
التفت الجميع ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة، دخل رجل في الستينات من عمره، تبدو عليه علامات الوقار، وما إن رآه عدد من الضيوف حتى وقفوا احترامًا.
تبادل كريم النظرات مع مريم في دهشة، بينما سلوى شحب وجهها أكثر من أي وقت مضى.
أما مريم فاكتفت بقول جملة واحدة
الحمد لله... آخر شاهد وصل عمّ الصمت أرجاء القصر.
الرجل دخل بخطوات هادئة، وسلّم على عبد الرحمن البدراوي بحرارة.
وحشتني يا أبا ياسين.
رد عبد الرحمن وهو يربت على كتفه
الحمد لله إنك جيت يا أستاذ حمدي... شهادتك النهارده هتريح ضمائر ناس كتير.
بدأ الفضول يسيطر على الضيوف.
نهى همست لداليا
هو مين ده؟
رد أحد الحاضرين قبلها
ده المستشار حمدي السيوفي... كان موثق عقود معروف، واعتزل من سنين.
سلوى حاولت تقاطعهم.
يا جماعة، إحنا في عيد ميلاد، مش في محكمة!
ابتسم كريم لأول مرة وهو بيقول
طالما الكل موجود، خلينا نسمع. اللي معندوش حاجة يخاف منها، مش هيقلق.
نظرت إليه والدته بحدة، لكنه تجاهلها.
تقدم المستشار حمدي، ووضع نظارته، ثم قال
من سبعة وعشرين سنة حضرت بنفسي تسليم صندوق أمانات يخص عيلة البدراوي. الصندوق كان فيه أوراق ملكية، ومذكرات، وبعض المقتنيات العائلية.
وسكت لحظة قبل أن يكمل
واتفقنا وقتها إن الصندوق ما يفتحش إلا بحضور صاحب الحق أو من يمثله قانونًا.
أخرجت مريم من حقيبتها الدبوس المرصع بالزمرد.
ما إن رآه عبد الرحمن حتى ابتسم.
دي العلامة... محدش كان يعرف مكانها غير أفراد العيلة.
أخذ المستشار الدبوس، وقارنه بصورة قديمة داخل الملف، ثم قال
مطابق تمامًا.
ازدادت الهمسات بين الحضور.
أحد رجال الأعمال قال
يبقى البنت فعلًا ليها علاقة بعيلة البدراوي.
لكن مريم رفعت يدها وقالت
أنا مش جاية أثبت أنا مين... دي الحقيقة معروفة عند اللي يهمهم الأمر.
ثم نظرت مباشرة إلى سلوى.
أنا جاية أعرف سبب واحد بس.
سلوى تراجعت خطوة.
سبب إيه؟
سبب إن في شخص كان يقدر يبلغ جدي

بمكاني من سنين... وسكت.
ساد الصمت.
كريم التفت إلى والدته ببطء.
ماما... هي بتتكلم عن إيه؟
سلوى ردت بسرعة
معرفش... دي بتلفق كلام.
لكن المستشار حمدي فتح الملف، وأخرج منه ظرفًا صغيرًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال
الظرف ده ما اتفتحش من يوم ما اتقفل، ومكتوب عليه لا يُفتح إلا إذا حضرت مريم بنفسها.
اتسعت عينا الجميع.
ناول الظرف إلى مريم.
أخذته بيد ثابتة، لكنها لم تفتحه.
قالت بهدوء
مش دلوقتي.
تعجب كريم.
بعد كل ده... مش هتفتحيه؟
ابتسمت مريم ابتسامة غامضة.
لأن اللي فيه هيجاوب على أسئلة كتير... لكن قبل ما يتفتح، في سؤال أهم.
ثم التفتت إلى سلوى وقالت
حضرتك فاكرة أول يوم اشتغلت فيه هنا؟
ارتبكت سلوى، لكنها حاولت تتماسك.
لأ... أفتكر ليه؟
أخرجت مريم مفتاحًا صغيرًا آخر من حقيبتها، ووضعته بجوار الأول.
ثم قالت
لأن في أول يوم... لقيت حاجة في القصر ده غيرت كل خططي... ومن ساعتها قررت أفضل هنا ثلاث سنين كاملة.
نظر الجميع إليها في دهشة.
أما كريم، فشعر أن ما ستقوله بعد ذلك قد يقلب تاريخ العائلتين رأسًا على عقب... لكنه لم يكن يتخيل أبدًا ما هو الشيء الذي اكتشفته مريم داخل القصر في يومها الأول تبادل الضيوف النظرات في صمت، وكل واحد فيهم بقى مستني يسمع السر.
كريم اقترب خطوة وقال
لقيتِ إيه؟
مريم سحبت نفسًا عميقًا، ثم قالت
أول يوم دخلت القصر، وأنا بنضف المخزن القديم، لقيت بابًا صغيرًا مستخبي ورا مكتبة خشب. الباب كان مقفول، لكن المفتاح اللي معايا كان بيفتحه.
اتسعت عينا سلوى.
مستحيل...
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة.
أيوه... نفس الكلمة اللي قولتيها لنفسك يومها، وإنتِ افتكرتي إن محدش هيعرف.
ساد الصمت.
قال كريم بسرعة
إنتِ دخلت الأوضة؟
لا... ما دخلتش وقتها.
استغرب الجميع.
ليه؟
ردت بثقة
لأني كنت عايزة الحقيقة تبان في وقتها، وبحضور كل الناس اللي ليها علاقة بيها.
المستشار حمدي أومأ برأسه.
وعلشان كده طلبت مني أثبت حالة المكان من غير ما يتفتح.
أخرج من حقيبته مظروفًا
آخر.
وده محضر معاينة بتاريخ من سنتين ونص، يثبت إن الباب كان مقفول بالشمع، وماحدش دخله.
نهى بدأت تقلق.
هو فيه إيه جوه الأوضة دي؟
رد عبد الرحمن البدراوي
الله أعلم... لأن آخر مرة اتقفلت فيها كانت من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
سلوى رفعت صوتها فجأة.
الكلام ده كفاية! مفيش أوضة سرية ولا أي حاجة.
لكن قبل ما تكمل...
دخل كبير الأمن مسرعًا.
أستاذ كريم... حضرتك طلبت المفاتيح القديمة.
هز كريم رأسه.
هاتها.
سلّمه صندوقًا حديديًا صغيرًا مليئًا بالمفاتيح القديمة.
أخرجت مريم المفتاح النحاسي، وقارنته بالموجود.
ثم قالت
مش هنحتاج دول.
رفعت المفتاح القديم أمام الجميع.
لأن المفتاح الأصلي... معايا.
بدأ الضيوف يتحركون خلف كريم وعبد الرحمن ومريم، وكلهم متجهين ناحية الممر المؤدي للمخزن.
حتى سلوى اضطرت تمشي وراهم، رغم إن ملامحها كانت مليانة خوف لأول مرة.
وصلوا للمكتبة الخشبية.
مريم دفعتها بهدوء.
تحركت المكتبة فعلًا، وظهر خلفها باب حديدي قديم، عليه آثار الزمن.
شهقت داليا.
معقول... الباب ده موجود فعلًا!
مدت مريم يدها، وأدخلت المفتاح في القفل.
لفّته ببطء...
صدر صوت احتكاك قوي، كأن القفل ما اتفتحش من سنين طويلة.
ثم...
طَق!
انفتح الباب سنتيمترات قليلة.
اندفعت رائحة الورق والخشب القديم إلى الخارج.
رفع كريم كشاف هاتفه، وأضاء المكان.
ظهرت غرفة صغيرة، يتوسطها صندوق خشبي ضخم، وعلى غطائه ختم شمع أحمر ما زال سليمًا.
لكن لم يكن الصندوق هو أكثر ما لفت انتباه الجميع...
بل الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط.
صورة لرجل يقف مبتسمًا، وإلى جواره رجل آخر يصافحه.
أحدهما كان والد كريم الراحل...
أما الآخر، فعرفه عبد الرحمن في اللحظة نفسها، وقال بصوت اختلط فيه الذهول بالحزن
مستحيل... الصورة دي اختفت من سبعة وعشرين سنة!
أما سلوى، فما إن وقعت عيناها على الصورة حتى فقدت توازنها، واضطرت أن تستند إلى الحائط، وهي تهمس بصوت بالكاد يُسمع
إزاي... إزاي لسه موجودة؟ساد صمت ثقيل داخل
الغرفة.
لم يقترب أحد من الصندوق.
عبد الرحمن رفع يده وقال بحزم
محدش يلمس أي حاجة... كل حاجة هتتفتح قدام الشهود.
المستشار حمدي أخرج هاتفه واتصل بالشخص الذي كان ينتظره.
بعد دقائق قليلة، وصل موثق رسمي ومعه كاميرا لتوثيق فتح الصندوق، بناءً على الطلب الذي كانت مريم قدمته قبل أيام.
نظر كريم إلى مريم وقال
واضح إنك خططتي لكل حاجة.
أجابته بهدوء
الحقيقة لازم تتوثق... عشان محدش يقدر ينكرها بعد كده.
اقترب الموثق، وفحص ختم الشمع.
الختم سليم... ومافيش أي أثر إنه اتفتح قبل كده.
تنفست سلوى الصعداء للحظة، وكأنها كانت تراهن على أن الصندوق فارغ.
أخذ عبد الرحمن المفتاح من مريم، ثم قال
افتحيه إنتِ... ده حقك.
أدخلت المفتاح في القفل.
استغرق فتحه ثوانٍ، لكنها بدت للجميع كأنها دقائق.
ثم ارتفع الغطاء ببطء.
في الداخل كانت توجد ملفات مرتبة بعناية، وألبومات صور، وصندوق مخملي صغير، وعدة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
أخذ عبد الرحمن أول خطاب، ونظر إلى التاريخ المكتوب عليه.
من سبعة وعشرين سنة...
ناول الخطاب للمستشار حمدي.
فتح المستشار الظرف بحذر، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
إذا وصل إليكم هذا الخطاب، فمعناه أن الأمانة ظلت محفوظة كما تمنيت. لقد أخفيت هذه الأوراق حتى لا تضيع حقوق أحد، وأوصيت ألا تُفتح إلا بحضور حفيدتي مريم.
ارتفعت همسات الضيوف.
أما مريم، فظلت تنظر إلى الخطاب دون أن تتكلم.
واصل المستشار القراءة
لن أذكر أسماء من أخطأ أو من ظلم، لأن المستندات الموجودة مع هذا الخطاب كافية لإظهار الحقيقة.
ثم أخرج ملفًا سميكًا من الصندوق.
كان على غلافه مكتوب بخط واضح
مستندات إثبات الملكيات والشراكات.
فتح الملف بسرعة، ثم توقف فجأة.
نظر إلى كريم، ثم إلى عبد الرحمن.
المستندات دي... بتثبت إن كان فيه شراكة رسمية بين عيلة البدراوي وعيلة المنشاوي، وكل الحقوق موثقة.
كريم عقد حاجبيه.
والدي عمره ما حكالي عن شراكة بالشكل ده.
رد عبد الرحمن بحزن
لأن الاتفاق كان متأجل إعلانه لظروف
وقتها... وبعد وفاة والدك، اختفت الأوراق كلها.
في تلك اللحظة، مدت مريم يدها إلى الصندوق، وأخرجت ألبوم صور قديم.
فتحته على أول صفحة.
ظهرت صورة تجمع والد كريم،
 

تم نسخ الرابط