عزمت خدامة بقلم زيزى احمد

لمحة نيوز


وعبد الرحمن البدراوي، وعدد من الرجال، وهم يوقعون أوراقًا على طاولة كبيرة، وكلهم يبتسمون.
لكن عندما قلبت الصفحة التالية...
تغيرت ملامحها فجأة.
أغلقت الألبوم بسرعة.
لاحظ كريم ذلك وقال
فيه إيه؟
نظرت إليه مريم للحظة، ثم قالت بهدوء
فيه صورة... هتجاوب على سؤال بقاله سنين، لكن مش دلوقتي.
ثم أغلقت الألبوم بإحكام، بينما ازدادت دهشة الحاضرين، وكلهم أدركوا أن ما تبقى داخل ذلك الصندوق قد يكون أخطر مما ظهر حتى الآن نظر الجميع إلى مريم في ترقب.
حتى سلوى، التي كانت تحاول التماسك، لم تستطع أن تخفي ارتجاف يديها.
قال كريم بهدوء
لو الصورة دي هتوضح الحقيقة... يبقى لازم نشوفها.
هزت مريم رأسها.
هنشوفها... لكن بعد ما نخلص المستندات الأول. لأن الصورة لو اتعرضت دلوقتي، الناس هتفسرها غلط.
وافقها المستشار حمدي.
معاها حق. المستندات لازم تتقري الأول.
بدأ يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، وكل ورقة كانت عليها توقيعات وأختام رسمية.
وفجأة توقف عند ورقة معينة.
دي غريبة...
اقترب عبد الرحمن.
فيها إيه؟
رفع المستند أمام الجميع.
ده محضر استلام أمانات... ومكتوب فيه إن الصندوق اتسلم لصاحب القصر القديم على سبيل الحفظ، من غير ما يكون ليه حق يفتحه أو يتصرف في أي حاجة جواه.
تنفس كريم ببطء.
يعني الصندوق كان مجرد أمانة؟
بالضبط.
ثم أضاف المستشار
والأغرب إن فيه توقيع شاهدين... واحد منهم والدك.
ابتسم كريم بحزن.
كنت عارف إن أبويا عمره ما يخون أمانة.
أومأ عبد الرحمن برأسه.
وأنا كنت واثق فيه طول عمري.
في تلك اللحظة، رفعت مريم الألبوم مرة أخرى.
فتحته على الصفحة التي أخفتها.
لكنها لم تعرضها للجميع.
أرته أولًا لعبد الرحمن.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى أغمض عينيه لثوانٍ، ثم قال
الحمد لله...
سأله كريم بلهفة
فيها إيه؟
ناول عبد الرحمن الصورة إليه.
نظر كريم إليها طويلًا.
ثم رفع رأسه نحو والدته ببطء.
ماما...
لم ترد.
كرر بصوت أعلى
ماما... إنتِ شوفتي الصورة دي قبل كده؟
ارتبكت سلوى.
لأ... أول مرة.
لكن

مريم اقتربت منها، وأخرجت من الألبوم صورة أخرى مطابقة تقريبًا.
وقالت
لا... دي أول مرة تشوفي النسخة دي.
أما النسخة الأصلية... فإنتِ شوفتيها من سنين.
شهقت نهى.
يعني كان فيه نسختين؟
ابتسمت مريم.
أيوه... وعلشان كده الحقيقة ما اختفتش.
نظر كريم إلى الصورة مرة أخرى.
كانت تُظهر والده وهو يقف بجوار عبد الرحمن البدراوي، وبينهما صندوق الأمانات، وخلفهم تقويم حائط يثبت التاريخ، بينما كان الجميع يبتسمون أمام الكاميرا.
ولا يوجد في الصورة أي خلاف أو نزاع، بل كانت دليلًا واضحًا على أن تسليم الصندوق تم برضا الجميع.
قال كريم وهو ينظر إلى والدته
يبقى كل اللي اتقال عن الخلاف بين العيلتين... كان كذب.
لم تستطع سلوى الرد.
واكتفت بالنظر إلى الأرض.
أما مريم فأغلقت الألبوم، وقالت بهدوء
لسه فيه حاجة واحدة بس ناقصة... وهي اللي هتفسر ليه الأمانة فضلت مستخبية كل السنين دي.
ثم مدت يدها إلى قاع الصندوق، وأخرجت ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع الأحمر، مختلفًا عن كل المظاريف التي كانت بداخله.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا اجتمعت العائلتان من جديد.
نظر الجميع إلى الظرف في صمت...
ولم يجرؤ أحد على لمسه ساد الصمت للحظات، حتى إن صوت أنفاس الموجودين كان مسموعًا.
نظر عبد الرحمن إلى الظرف، ثم إلى مريم.
افتحيه يا بنتي... الشرط اتحقق.
أخذت مريم الظرف بحذر، وكسرت ختم الشمع ببطء.
أخرجت منه ورقة واحدة، مطوية بعناية.
فتحتها، ثم بدأت تقرأ بصوت ثابت
إذا اجتمعت العائلتان مرة أخرى، فأرجو أن يكون الاجتماع من أجل إنهاء سوء الفهم، لا من أجل الانتقام.
ارتفعت رؤوس الجميع في اهتمام.
واصلت القراءة
الصندوق لم يُخفَ لأن أحدًا سرقه، بل لأنه كان أمانة اتفقنا على حفظها حتى تنتهي بعض الإجراءات القانونية، وحتى تكبر حفيدتي مريم وتكون قادرة على استلام حقها بنفسها.
تنفس عبد الرحمن بارتياح، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره.
لكن مريم توقفت فجأة عند السطر التالي.
عقدت حاجبيها، ثم أعادت قراءته في صمت.

سألها كريم
فيه إيه؟
ناولته الورقة.
قرأ السطر بصوت مرتفع
ومن يحتفظ بهذه الأمانة أو يساعد في حفظها، فلا يُساء الظن به، فإنه أدى ما عليه.
ساد الهدوء مرة أخرى.
نظر كريم إلى والدته، ثم إلى عبد الرحمن.
يعني... اللي حصل بين العيلتين كان سببه سوء فهم؟
أجاب المستشار حمدي
حتى الآن... كل المستندات بتقول كده.
وفي تلك اللحظة، تقدمت سلوى بخطوات مترددة.
كانت أول مرة تبدو عليها علامات الندم.
قالت بصوت منخفض
أنا... لما اتجوزت في العيلة، سمعت حكايات كتير عن خلاف قديم، وصدقتها من غير ما أدور على الحقيقة.
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى مريم.
لكن ده... ما يبررش أبدًا الطريقة اللي عاملتك بيها.
لم ترد مريم.
اكتفت بالنظر إليها في هدوء.
ثم قالت
أنا ما جيتش علشان أحرج حد قدام الناس... أنا جيت علشان الحقيقة ترجع لأصحابها.
نظر الضيوف إلى بعضهم، وقد اختفى جو السخرية الذي بدأ به الحفل، وحل محله شعور بالدهشة والاحترام.
وفي تلك اللحظة، لاحظ كريم شيئًا داخل الظرف.
كان هناك قصاصة صغيرة جدًا، مطوية وحدها.
أخرجها بحذر.
وعندما فتحها... اتسعت عيناه.
رفع رأسه إلى مريم وقال
الغريب إن القصاصة دي مكتوب فيها عنوان مكان... مش رسالة.
اقترب عبد الرحمن ونظر إليها.
ثم تغيرت ملامحه فجأة.
وقال بصوت خافت
ده عنوان البيت القديم... اللي اتقفل من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
نظر الجميع إلى بعضهم في حيرة.
أما مريم، فابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ بداية الليلة، وقالت
واضح إن الصندوق خلّص أول جزء من الحقيقة...
أما باقي الحقيقة... فهي مستنية اللي يروح العنوان ده خرج الجميع من الغرفة السرية، لكن لم يفكر أحد في العودة إلى قاعة الحفل.
الموسيقى كانت ما زالت تعمل في الخارج، بينما داخل القصر كان كل شيء قد تغير.
نظر كريم إلى الساعة وقال
البيت القديم يبعد حوالي ساعة من هنا... لو هنروح، يبقى نتحرك دلوقتي.
أومأ عبد الرحمن موافقًا.
كل يوم اتأخرنا فيه كان خسارة... مش هأجل أكتر من كده.
أما سلوى، فاقتربت من مريم
وقالت بصوت خافت
لو تسمحي... أنا أفضل هنا.
نظرت إليها مريم للحظات، ثم قالت
ده قرارك.
بعد أقل من ربع ساعة، تحرك موكب صغير من خمس سيارات.
في السيارة الأولى كان كريم يقود بنفسه، وبجواره مريم، بينما جلس عبد الرحمن في الخلف.
طوال الطريق، لم ينطق أحد بكلمة.
حتى وصلوا إلى حي قديم في مصر الجديدة.
توقفت السيارات أمام فيلا عتيقة، يغطي الغبار بوابتها الحديدية، وتتدلى أغصان الأشجار فوق سورها.
قرأ كريم اللوحة النحاسية المعلقة على الباب
فيلا آل البدراوي.
أخرجت مريم المفتاح الثاني الذي كان معها منذ البداية.
ابتسم عبد الرحمن وقال
كنت عارف إن المفتاح ده مش للخزنة.
تقدمت نحو الباب.
أدخلت المفتاح...
وللمرة الثانية في تلك الليلة، دار القفل بسهولة، كأنه كان ينتظرها.
انفتح الباب ببطء.
دخل الجميع إلى حديقة مهجورة، تتناثر فيها أوراق الشجر اليابسة.
كان كل شيء متوقفًا عند لحظة من الماضي.
فتحوا باب الفيلا الرئيسي.
الأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء، والساعات متوقفة، وكأن الزمن غادر المكان منذ سنوات.
وأثناء تجولهم، لفت انتباه مريم إطار صورة مائل على أحد الجدران.
اقتربت منه وعدلته.
وفجأة...
صدر صوت ميكانيكي خافت من داخل الحائط.
التفت الجميع.
بدأت المكتبة الخشبية المقابلة تتحرك ببطء، كاشفة عن درج حجري ضيق ينزل إلى أسفل.
نظر كريم إلى مريم بدهشة.
واضح إن دي مش أول مفاجأة.
ابتسم عبد الرحمن وقال
والدك الله يرحمه كان بيقول إن جدك كان بيحب يعمل مخابئ لكل حاجة مهمة.
أضاء كريم كشاف هاتفه، وبدأوا ينزلون السلم بحذر.
في آخر الدرج، وجدوا بابًا فولاذيًا صغيرًا.
وعلى الباب لوحة نحاسية مكتوب عليها
غرفة الوصايا.
لكن الشيء الذي جعل الجميع يتجمد في مكانه...
أن الباب كان مفتوحًا نصف فتحة.
وكأن أحدًا دخل الغرفة قبلهم... منذ وقت قريب جدًا توقف الجميع عند أول درجة.
تبادل كريم ومريم النظرات.
قال كريم بصوت منخفض
مستحيل... المكان مقفول من سنين.
انحنى كبير الأمن يتفحص الباب، ثم قال
مفيش آثار كسر.
.. اللي فتح الباب استخدم مفتاح.
شعر عبد الرحمن بانقباض في صدره.
يبقى فيه حد غيرنا كان عارف بوجود المكان.
تقدمت مريم بخطوات هادئة، ثم دفعت الباب برفق.
صدر صرير خافت،
 

تم نسخ الرابط