عزمت خدامة بقلم زيزى احمد
وانفتح الباب بالكامل.
دخلوا الغرفة بحذر.
كانت غرفة واسعة، جدرانها مليئة بأرفف خشبية، وفي المنتصف مكتب كبير من خشب الجوز، تعلوه طبقة خفيفة من الغبار.
لكن الغبار لم يكن على كل شيء...
كان هناك مكان واضح على سطح المكتب نظيف تمامًا، وكأن حقيبة أو صندوقًا كان موضوعًا عليه، ثم رُفع منذ وقت قصير.
قال كريم وهو يشير إليه
حد كان هنا فعلًا.
اقتربت مريم، ولمست سطح المكتب بطرف إصبعها.
ثم نظرت إلى الأرض.
استنوا...
ركعت بهدوء.
كان بجوار المكتب أثر حذاء واضح فوق طبقة الغبار.
ثم أثر ثانٍ... وثالث.
قالت
شخص واحد بس... وكان بيتحرك براحة، مش مستعجل.
رفع كبير الأمن هاتفه وصوّر الآثار.
وفي أثناء ذلك، كان عبد الرحمن يتأمل الجدران.
فجأة توقف أمام لوحة صغيرة مكتوب عليها بخط قديم
من يبحث عن الحقيقة... فلينظر خلف الوقت.
استغرب كريم.
يعني إيه خلف الوقت؟
بدأ الجميع ينظر حوله.
وفجأة لفت انتباه مريم ساعة حائط كبيرة، عقاربها متوقفة عند التاسعة وخمس عشرة دقيقة.
اقتربت منها.
قالت بهدوء
كل الساعات في البيت وقفت... إلا دي.
سأل كريم
إزاي؟
أشارت إلى بندول الساعة.
بيتحرك.
اقترب كريم بالفعل، ولاحظ حركة خفيفة تكاد لا تُرى.
أمسك عبد الرحمن بطرف الساعة، وساعده في إبعادها عن الحائط.
وفور ابتعادها...
ظهر تجويف صغير داخل الجدار.
وفي داخله صندوق معدني أسود.
لكن هذه المرة لم يكن الصندوق مغلقًا.
فتحت مريم غطاءه بحذر.
كان بداخله دفتر جلدي قديم، ومفتاح فضي، ورسالة واحدة.
لكن الرسالة لم تكن قديمة.
كانت مكتوبة على ورق حديث.
أخذها كريم وقرأ أول سطر، فتغير لون وجهه.
قالت مريم بقلق
مكتوب فيها إيه؟
نظر إليها كريم، ثم قرأ بصوت مرتفع
إذا وصلتم إلى هنا... فهذا يعني أنكم تأخرتم. أخذت الشيء الذي كنتم تبحثون عنه، لكنني تركت لكم ما يكفي لتعرفوا أن الحقيقة لم تنتهِ بعد.
ساد صمت ثقيل.
وفي أسفل الرسالة كان هناك توقيع...
مجرد حرف واحد.
س.
نظر الجميع إلى سلوى التي بقيت في القصر، ثم عادوا ينظرون إلى الرسالة.
لكن مريم هزت رأسها وقالت بثقة
لا... التوقيع ده مش دليل على أي حد.
ثم رفعت الدفتر الجلدي وقالت
واللي كتب الرسالة كان عارف إن الدفتر ده أخطر من أي حاجة خدها... لأنه فيه القصة كاملة.
وأمسكت الدفتر بيديها، بينما كانت كل الأنظار معلقة بالصفحة الأولى التي لم يفتحها أحد بعد أخذت مريم الدفتر بحذر، ونفضت عنه طبقة الغبار.
كان جلده متشققًا من الزمن، وعلى الغلاف نقش صغير لعائلة البدراوي.
نظر عبد الرحمن إليه، وابتسم بحزن.
ده دفتر جدك.
فتحت مريم الصفحة الأولى.
لم تكن مليئة بالأسرار كما توقع الجميع.
كان مكتوبًا بخط واضح
إذا كنت تقرأ هذه الصفحات، فلا تحكم على أحد قبل أن تقرأها للنهاية.
تنفس كريم ببطء.
واضح إن صاحب الدفتر كان متوقع إن الحقيقة هتتبعثر.
بدأت مريم تقلب الصفحات.
كانت مليئة بمواعيد، وأسماء، وحسابات، ومذكرات قصيرة.
لكن في منتصف الدفتر توقفت فجأة.
قالت
استنوا...
أشارت إلى صفحة مكتوب في أعلاها
الاجتماع الأخير.
بدأت تقرأ
اجتمعنا اليوم واتفقنا على إنهاء الشراكة بالتراضي، وتقسيم كل الحقوق بالعدل، ولا يوجد بين العائلتين أي نزاع.
رفع كريم رأسه في دهشة.
يعني حتى الانفصال كان باتفاق؟
أومأ عبد الرحمن.
أيوه... وده اللي كنت بحاول أقوله من سنين.
لكن مريم قلبت الصفحة التالية، فتغيرت ملامحها.
كانت هناك ورقة صغيرة مثبتة داخل الدفتر بدبوس.
نزعتها برفق.
وجدت عليها قائمة بأسماء أشخاص.
وبجوار كل اسم علامة .
إلا اسم واحد...
كان بجواره علامة استفهام كبيرة.
قرأ كريم الاسم بصوت منخفض.
ثم نظر إلى عبد الرحمن.
الاسم ده... مش من عيلتنا، ولا من عيلة المنشاوي.
قال عبد الرحمن وهو يحاول التذكر
لأ... لكنه كان محاسب الشراكة.
ساد الصمت.
سألت مريم
هو عايش؟
رد عبد الرحمن
آخر مرة سمعنا عنه، سافر بره مصر... وبعدها انقطعت أخباره.
المستشار حمدي أمسك الدفتر.
وقلب آخر صفحاته.
ثم توقف فجأة.
يا جماعة...
اقترب الجميع منه.
أشار إلى جيب ورقي صغير ملتصق بالغلاف الداخلي.
فتح الجيب.
كان بداخله مفتاح إلكتروني صغير، يشبه مفاتيح الخزنات الحديثة.
ومعه بطاقة مكتوب عليها بخط اليد
الحساب رقم 17.
عقد كريم حاجبيه.
حساب؟
ابتسم المستشار حمدي.
غالبًا يقصد خزنة في بنك.
نظر عبد الرحمن إلى المفتاح طويلًا، ثم قال
دلوقتي فهمت ليه اللي سبقنا أخد بعض الحاجات وساب الدفتر... لأنه كان بيدور على ده.
سألت مريم
يعني ممكن تكون باقي المستندات في خزنة؟
أجاب المستشار
وارد جدًا.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان... سلوى.
رد بسرعة.
جاءه صوتها المرتجف
كريم... ارجعوا القصر حالًا... في حد دخل الغرفة السرية بعد ما خرجتوا... والصندوق... الصندوق اتفتح تاني!
تبادل الجميع النظرات في صدمة.
نظر كريم إلى مريم وقال
إحنا خرجنا منه بنفسنا... إزاي حد دخل بعدنا؟
أغلقت مريم الدفتر بإحكام، وأمسكت المفتاح الإلكتروني في يدها، وقالت بهدوء
واضح إن اللي بيلعب اللعبة دي... لسه ما كشفش كل أوراقه انطلق الجميع عائدين إلى القصر بأقصى
لم ينطق أحد بكلمة طوال الطريق.
كان كريم يضغط على عجلة القيادة بقوة، بينما كانت مريم تنظر إلى المفتاح الإلكتروني في يدها وكأنها تحاول ربط كل الخيوط ببعضها.
بعد أقل من ساعة، وصلت السيارات إلى القصر.
كانت سيارات الأمن متوقفة أمام البوابة، وعدد من الحراس يقفون في حالة استنفار.
نزل كريم بسرعة.
فين ماما؟
أشار أحد الحراس إلى داخل القصر.
دخلوا جميعًا إلى الغرفة السرية.
وجدوا سلوى واقفة، ووجهها شاحب، بينما الصندوق الخشبي ما زال في مكانه.
نظر كريم إليه باستغراب.
ده مقفول زي ما سبناه!
قالت سلوى وهي تحاول تهدأ
أنا شوفته مفتوح... أقسم بالله كان مفتوح!
اقترب كبير الأمن من الصندوق، ثم أشار إلى شيء صغير بجواره.
استنوا...
انحنى والتقط قطعة معدنية لامعة.
ناولها لمريم.
تأملتها لثوانٍ، ثم قالت
دي مش من الصندوق.
سألها كريم
أمال إيه دي؟
أجاب المستشار حمدي بعدما نظر إليها
دي قطعة من سلسلة مفاتيح إلكترونية... غالبًا وقعت من الشخص اللي دخل هنا.
وفي اللحظة نفسها، دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
يا أستاذ كريم... راجعنا كاميرات المراقبة.
التفت إليه الجميع.
ولقيتوا إيه؟
هز رأسه باستغراب.
الغريب إن محدش دخل الغرفة بعد خروجكم.
سادت الحيرة.
قال كريم
إزاي؟!
رد الحارس
لكن... في حاجة أغرب.
ضغط على جهازه اللوحي، وفتح تسجيل الكاميرات.
ظهر الممر المؤدي إلى الغرفة السرية.
خرج الجميع منه بعد فتح الصندوق...
ثم أغلقوا الباب.
ولم يظهر أي شخص بعدهم.
لكن بعد عشر دقائق...
تحرك باب الغرفة وحده ببطء.
انفتح... ثم أغلق من تلقاء نفسه.
من غير ما يدخل أو يخرج أي شخص.
شهقت نهى التي كانت قد حضرت مع باقي الضيوف.
مستحيل!
اقتربت مريم من الشاشة، وأعادت المقطع أكثر من مرة.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قال كريم باستغراب
بتبتسمي ليه؟
أشارت إلى زاوية الصورة.
ركز هنا.
كبر مسؤول الأمن الصورة.
ظهر انعكاس خافت على إطار مرآة معلقة في نهاية الممر.
وفي الانعكاس... لمحوا ظل شخص يقف للحظات، لكنه لم يكن في زاوية تصوير الكاميرا الرئيسية.
قال كبير الأمن
يعني فيه ممر جانبي خارج نطاق الكاميرات.
نظر عبد الرحمن إلى الجدار المقابل للغرفة السرية، ثم قال
جدك كان بيبني مخابئ كتير...
وسكت فجأة.
ثم اتجه مباشرة إلى الحائط، ووضع يده على قطعة رخام مستطيلة.
ضغط عليها.
صدر صوت خافت.
وبدأ جزء من الحائط يتحرك ببطء.
ظهر خلفه ممر ضيق جدًا، لا يتسع إلا لشخص واحد.
كان الممر مظلمًا... لكن على أرضه آثار أقدام حديثة، ما زالت واضحة فوق طبقة الغبار.
رفعت مريم
وفي نهايته...
كان هناك باب نصف مفتوح.
ومن خلف الباب، سمع الجميع صوتًا خافتًا جدًا...
كأنه صوت درج يُغلق بسرعة، ثم عمّ المكان صمت تام اقترب كريم ومعه رجال الأمن بحذر، بينما أشار عبد الرحمن إلى الجميع أن يظلوا خلفهم.
فتح كريم الباب ببطء...
لكن الغرفة كانت خالية.
لا أحد بالداخل.
فقط مكتب خشبي قديم، وخزانة مفتوحة، وعلى المكتب رسالة قصيرة.
أخذتها مريم وقرأت بصوت مسموع
الحقيقة كانت محفوظة، لكن الطمع هو الذي صنع العداوة. إذا وصلتم إلى هنا، فقد انتهى دوري.
نظر الجميع حولهم، فلم يجدوا أي أثر لشخص.
اقترب عبد الرحمن من المكتب، ثم ابتسم وقال
خلاص... فهمت.
سأله كريم
فهمت إيه؟
أشار إلى الرسالة والدفتر والمستندات.
الشخص اللي سبقنا مكانش حرامي، ولا كان بيحاول يخفي الحقيقة. كان
بيتأكد إن كل الأدلة تفضل موجودة لحد ما أصحابها الحقيقيين يجتمعوا. وبعد ما اتأكد إن كل الأوراق اتسلمت، مشي من غير ما ياخد حاجة تخص حد.
ساد الصمت.
أغلق المستشار حمدي الملفات وقال
قانونيًا، كل الحقوق ثابتة، وكل الممتلكات والأمانات رجعت لأصحابها، ومفيش أي نزاع بين العيلتين.
تنهد كريم براحة، ثم التفت إلى مريم.
يعني... كل اللي حصل السنين دي كان بسبب إشاعات وسوء فهم.
هزت مريم رأسها.
للأسف... والناس صدقتها من غير ما تدور على الحقيقة.
في تلك اللحظة، تقدمت سلوى بخطوات بطيئة.
كانت الدموع في عينيها.
وقفت أمام مريم، وأمام جميع الضيوف الذين عادوا يتابعون ما يحدث.
وقالت بصوت مرتعش
أنا غلطت في حقك. دعوتك للحفلة علشان أحرجك قدام الناس... لكن اللي اتفضح في النهاية كان أخلاقي، مش إنتِ. لو هتسامحيني، هيبقى ده أكبر كرم منك.
نظرت إليها مريم للحظات، ثم قالت بهدوء
المسامحة لا تمحي الغلط، لكنها تمنع إنه يتكرر. أتمنى من النهارده محدش يتعامل مع إنسان على حسب شغله أو شكله أو ظروفه.
خفضت سلوى رأسها في خجل.
أما كريم، فجمع الضيوف وقال
الحفلة دي بدأت بهدف غلط... لكنها هتنتهي باعتذار قدام الكل.
صفق الحاضرون احترامًا لمريم، ليس لأنها تنتمي إلى عائلة كبيرة، بل لأنها واجهت الإهانة بالصبر، وأثبتت الحقيقة بالأدلة، لا بالصوت العالي.
بعد أسابيع، أُعلنت الحقيقة رسميًا، وعادت الأمانات إلى أصحابها، وانتهى أي خلاف بين عائلتي البدراوي والمنشاوي.
أما مريم، فلم تعد إلى العمل في القصر.
اختارت أن تؤسس مؤسسة خيرية لتعليم وتدريب العاملات البسيطات، وكانت تقول دائمًا
قيمة الإنسان لا يصنعها اسمه، ولا ماله، ولا وظيفته.
ومنذ ذلك اليوم، لم ينسَ أحد من حضر عيد الميلاد تلك الليلة التي أرادت فيها سلوى أن تُذل خادمة أمام 300 شخص...
فانتهى الأمر بأن تعلم الجميع درسًا لن ينسوه أبدًا الاحترام لا يُمنح للأغنياء فقط، بل لكل إنسان. رب