ام جوزي
أم جوزي كانت مريضة ومحدش كان عايز يخدمها فطلبت من جوزي يجيبها تعيش معانا، لكني ماكنتش أعرف إن القرار ده هيقلب حياتي كلها!
من أول يوم جوازنا وأنا كنت عارفة إن حماتي ست كبيرة ومريضة، وبتحتاج رعاية مستمرة، خصوصًا إنها كانت بتحتاج تغيير الحفاضات أكتر من مرة خلال اليوم.
في البداية كنت بروح لها كل يوم.
أصحى بدري، أجهز الفطار لأولادي، أخلص شغل البيت، وبعدها أروح شقتها أقعد معاها وأغير لها وأطمن عليها، وبعدها أرجع أجري على بيتي وعيالي.
الموضوع كان مرهق جدًا.
خصوصًا إن شقة حماتي كانت كبيرة بشكل مبالغ فيه، وكل ما أولادها ييجوا يزوروها ويقعدوا بالساعات، كانوا يسيبوا وراهم أطباق وأكواب وفوضى، وأنا اللي كنت برجع أنضف كل حاجة.
وفي يوم، بعد ما رجعت البيت وأنا حاسة إن ضهري هينكسر، بصيت لجوزي وقلت له
أنا تعبت يا أحمد مش قادرة أفضل رايحة جاية كل يوم. يا إما حد من إخواتك يساعد، يا إما نجيب ممرضة، يا إما تيجي ماما تقعد معانا.
جوزي سكت شوية، وبعدها قال
ماشي هكلم إخواتي.
لكن كلامه مع إخواته ماجابش نتيجة.
كل واحدة كان عندها حجتها.
واحدة عندها أطفال.
والتانية بتشتغل.
والتالتة قالت إنها مش بتستحمل منظر تغيير الحفاضات.
وفي الآخر، رجع جوزي وقال
خلاص أمي هتيجي تقعد معانا.
وافقت، رغم إني كنت عارفة إن الحمل هيبقى أكبر.
وفعلًا، بعد كام يوم، نقلنا حماتي عندنا.
في الأول كنت بحاول أتعامل مع الموضوع بحب.
كنت بقول لنفسي
دي أمي الكبيرة، وربنا هيجازيني على خدمتها.
كنت بأكلها بإيدي، أغير لها، أساعدها في الاستحمام، أرتب سريرها، وأنضف مكانها.
لكن المشكلة ماكنتش في حماتي نفسها.
المشكلة كانت في بناتها.
كل يوم تقريبًا واحدة منهم تيجي تراجع ورايا.
ماما غيرتيلها؟
الأكل ليه متأخر؟
إنتِ نضفتي الأوضة كويس؟
هي ليه قاعدة بالشكل ده؟
وفي مرة واحدة منهم زعقتلي قدام حماتي
إنتِ لازم تهتمي بيها أكتر من كده!
بصيت لها بدهشة وقلت
أنا بعمل اللي أقدر عليه، وإنتِ عارفة إني طول اليوم معاها.
ردت ببرود
دي أمنا وإحنا مش هنقصر معاها.
الكلمة وجعتني.
لأنها كانت بتتكلم وكأنها هي اللي بتخدم أمها،
مرت الأيام، وتحولت خدمتي لحماتي من مساعدة إلى شيء مفروغ منه.
لو تعبت، محدش يهتم.
لو مرضت، يقولوا
استحملي شوية.
ولو طلبت من جوزي يساعدني، كان يرد
دي أمي يا ستي.
وكأنها أمه وحده، مش أنا كمان بقيت مسؤولة عنها.
والأصعب إن جوزي بدأ يتغير معايا.
بقى قليل الكلام.
قليل القعدة في البيت.
ولو قربت منه بعد ما أكون غيرت لحماتي، كان يبعد بطريقة كانت بتجرحني جدًا.
وفي مرة مد إيده على الأكل، وبمجرد ما عرف إني كنت لسه مغيرة لمامته، ساب الطبق وقال
مش قادر آكل.
بصيت له وسألته
يعني إيه مش قادر تاكل؟
قال
إنتِ عارفة.
ومن يومها، بقى بينا حاجز غريب.
حاولت أتكلم معاه أكتر من مرة، لكنه كان دايمًا يقفل الكلام.
أنا مضغوط.
عندي مشاكل في الشغل.
مش ناقص خناق.
وبدأت مصاريف البيت تقل.
في البداية كان بيديني مبلغ بسيط.
وبعدها المبلغ بقى أقل.
لحد ما في يوم قال لي
أنا مش هقدر أصرف زي الأول الفترة دي.
قلت له
والعيال؟ والأكل؟
رد بمنتهى البرود
تصرفي من معاش أمي.
اتصدمت.
قلت
من معاش ماما؟ ده معاشها بالعافية بيكفي علاجها!
قال
ما هو هي قاعدة معانا، يبقى نصرف منه على البيت.
والأغرب إن حماتي نفسها وافقت.
قالت لي
يا بنتي ما تعمليش مشكلة خدي من المعاش وصرفي على البيت.
ومن يومها بقيت أنا اللي بمشي البيت بمعاش حماتي القليل.
أشتري الأكل.
أدفع مصاريف الأولاد.
أجيب علاجها.
وأتحمل كل شيء.
أما جوزي، فكل ما أسأله عن فلوسه يقول
عندي مشاكل في الشغل.
مرت الشهور.
صحتي بدأت تتدهور.
وشكلي اتغير من التعب.
لكن محدش كان شايف ده.
الجميع كان شايف إني زوجة ابنهم ولازم أخدم أمهم.
لحد ما في يوم، جوزي دخل البيت وقال لي
أنا مسافر شهرين.
بصيت له باستغراب.
شهرين؟ رايح فين؟
قال
شغل.
وبعدين قرب مني وقال
عايزك تهتمي بماما والعيال لحد ما أرجع.
ضحكت ضحكة مرة.
ومين يهتم بيا؟
بص لي ثواني، وبعدها خرج من غير ما يرد.
سافر.
ومرت أول أسبوع عادي.
كنت متوقعة إنه يتصل يطمن على الأولاد.
لكنه كان بيتصل دقائق قليلة، يسأل عن أمه، وبعدها يقفل.
وفي اليوم السابع
فتحت، لقيت أخت جوزي.
دخلت وهي شايلة موبايلها وبتضحك.
راحت على طول لأمها.
ماما! شوفي المفاجأة!
حماتي فرحت وقالت
إيه يا بنتي؟
قعدت جنبها وفتحت فيديو على الموبايل.
أنا كنت داخلة المطبخ، لكن صوت الموسيقى والزغاريد شدني.
وقفت مكاني.
وبصيت من بعيد.
وبعدين قربت.
لكن أول ما شفت شاشة الموبايل
اتجمدت.
جوزي كان ظاهر في الفيديو.
لابس بدلة رسمية أنيقة جدًا.
واقف وسط قاعة ضخمة مليانة ناس.
والكل بيزغرد ويصفق.
اتخضيت.
إيه اللي بيحصل؟!
قربت أكتر من غير ما يحسوا بيا.
جوزي كان واقف على المسرح، والناس حواليه بتضحك وبتصور.
وفجأة ظهر شخص جنبه
رجل كبير في السن.
وجوزي مسك إيده.
وبعدين الرجل ده رفع إيده قدام الناس، والكل صفق بصوت أعلى.
أخت جوزي قالت بحماس
شايفة يا ماما؟ أنا قولتلك إن المفاجأة هتعجبك!
حماتي ابتسمت، لكني كنت مش فاهمة أي حاجة.
وفجأة ظهر في الفيديو شاب صغير لابس بدلة، وقف جنب جوزي.
وبعدها
بدأت الموسيقى تتغير.
وجوزي ابتسم ابتسامة واسعة.
ابتسامة أنا ما شوفتهاش من شهور.
أنا قلبي بدأ يدق بسرعة.
وسألت نفسي
هو إيه اللي بيعمله هناك؟
لكن قبل ما أعرف الإجابة
سمعت أخت جوزي تقول
استني يا ماما لسه أهم حاجة في الفيديو ما ظهرتش.
وبالفعل
ضغطت على الشاشة.
وانتقل الفيديو لمشهد تاني.
المشهد اللي خلاني أحس إن رجلي مش شايلاني.
لأن جوزي كان واقف قدام باب كبير
وفي إيده مفتاح.
ورفع المفتاح قدام الكاميرا، وقال جملة واحدة
النهارده كل حاجة هتتغير.
حماتي شهقت بفرحة.
أما أنا
فما كنتش فاهمة أي حاجة.
لكن إحساسي قالي إن المفتاح ده
له علاقة بيا أنا.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن كل اللي حصل من يوم ما حماتي دخلت بيتي
يمكن ماكانش صدفة فضلت واقفة وراهم، وعيني على الشاشة.
المفتاح اللي كان جوزي رافعه قدام الكاميرا كان شكله عادي جدًا
لكن إحساسي كان بيقول إن وراه حكاية كبيرة.
أخته كانت بتضحك، وحماتي عينيها مليانة فرحة.
أما أنا فكنت الوحيدة اللي مش فاهمة حاجة.
قربت منهم أكتر وقلت
هو أحمد كان فين؟
أخته اتفاجئت أول ما شافتني.
الموبايل وقع تقريبًا
ساد صمت غريب.
قلت مرة تانية
الفيديو ده إيه؟
أخت جوزي حاولت تقفل الموبايل، لكني مد إيدي وخدته منها.
أنا بسألك أحمد كان فين؟
قالت بتوتر
كان في سفر.
ضحكت بسخرية.
أنا عارفة إنه مسافر بس الفيديو ده فين؟
سكتت.
حماتي قالت بهدوء
اقعدي يا بنتي.
بصيت لها.
ماما، أنا مش فاهمة حاجة.
قالت
مش كل حاجة لازم تعرفيها دلوقتي.
الجملة دي خلت قلبي يدق أسرع.
يعني إيه مش لازم أعرف؟ ده جوزي!
حماتي سكتت.
وأخت جوزي بصت لها بنظرة غريبة، كأن بينهم سر متفقين ما يقولوش عنه كلمة.
في اللحظة دي، رن موبايلي.
كان أحمد.
أول ما شفت اسمه، قلبي خبط.
رديت فورًا.
إنت فين؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
إنتِ ليه بتسألي؟
قلت بعصبية
عشان شوفت الفيديو.
صوته اتغير.
أي فيديو؟
الفيديو اللي إنت فيه ماسك مفتاح وبتقول إن كل حاجة هتتغير.
سكت.
سكت وقت طويل لدرجة إني افتكرت المكالمة قطعت.
وبعدين قال بصوت هادي جدًا
إنتِ شوفتي الفيديو ده؟
قلت
أيوه.
قال
ومين كان معاكي؟
أختك وماما.
تنهد.
وبعدين قال
خلاص يبقى قرب الوقت.
اتوترت.
وقت إيه؟
لكنه لم يجب.
قلت بصوت أعلى
أحمد! إنت مخبي عني إيه؟
قال
اسمعيني كويس مهما حصل، ما تسيبيش ماما لوحدها.
اتعصبت.
يعني إيه؟ أنا بقالى شهور بخدمها!
قال بسرعة
أنا عارف.
الجملة دي وقفتني.
أول مرة من شهور يقولها.
قلت
عارف إيه؟
قال
عارف كل حاجة.
وسكت.
ثم أغلق المكالمة.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش مستوعبة.
أول مرة أحس إن أحمد كان عارف تعبي.
عارف إني بصرف من معاش أمه.
عارف إن أخواته بيضغطوا عليا.
عارف إني تعبت.
لكن لو كان عارف
ليه سابني أتحمل كل ده؟
بصيت لحماتي.
ماما هو كان بيكلمك عني؟
حماتي بصت للأرض.
ولأول مرة شفت في عينيها إحساس بالذنب.
قالت
أحمد طلب مني ما أقولكيش.
اتجمدت.
طلب منك إيه؟
قبل ما تجاوب، أخت جوزي قامت بسرعة وقالت
ماما، كفاية.
صرخت
كفاية إيه؟!
بصيت لهم الاتنين.
أنا عايزة أعرف الحقيقة.
حماتي بدأت تبكي.
قالت
إنتِ فاكرة إننا كنا سايبينك تخدميني عشان نستغلّك؟
سكت.
لأني فعلًا كنت فاكرة كده.
قالت
الحقيقة أكبر من اللي إنتِ متخيلاه.
قربت
طب قولي.
هزت رأسها.
مش دلوقتي.
صرخت
إمتى؟!
قالت
لما أحمد يرجع.
في اللحظة دي، سمعت صوت رسالة وصلت على موبايلي.
فتحتها.
كانت رسالة من رقم غريب.
مفيهاش غير جملة واحدة
لو عايزة تعرفي ليه جوزك سافر، وليه المفتاح ده مهم دوري في الدولاب القديم في شقة حماتك.
قلبي