ام جوزي
قال
أنا.
اتصدمت.
إنت؟!
قال
بس باسم مختلف.
قبل ما أقدر أقول أي كلمة، الرجل الكبير اقترب مني وقال
في حاجة أهم.
طلع من جيبه مفتاح تاني.
ووضعه في إيدي.
ده مفتاح المكان اللي أمك كانت تقصده في الرسالة.
بصيت للمفتاح.
كان عليه رقم محفور
17
سألته
رقم إيه؟
قال
بيت.
ثم أضاف
بس قبل ما تروحي، لازم تعرفي إن الشخص اللي كان بيدور على حقك عرف إنك عرفتي.
أحمد قرب مني وقال
وعشان كده أنا محتاجك تثقي فيا للمرة الأخيرة.
بصيتله بغضب.
آخر مرة؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت صورة لي وأنا طفلة.
لكن الصدمة إن الشخص الواقف جنبي في الصورة
كان نفس الرجل الموجود في الصورة القديمة مع أمي وحماتي.
وتحت الصورة مكتوب
اليوم الذي أخبرتُ فيه ابنتي من هو والدها الحقيقي.
رفعت عيني لأحمد.
ماقدرتش أنطق.
لأن أحمد قال بصوت خافت
مريم الراجل اللي في الصورة مش أبوكي.
وسكت.
بس هو الوحيد اللي يعرف مين أبوكي الحقيقي فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
قلت
يعني الراجل ده كان عايش بعد ما الكل قال إنه مات؟
سامح رد
أيوه.
بصيت لأحمد.
وإنت كنت عارف؟
قال بصوت منخفض
من فترة.
ومن فترة قد إيه؟
سكت.
صرخت
أحمد!
قال
من أول ما بدأت أراجع أوراق الأرض.
حسيت بغضب شديد.
وعشان كده كنت بتعاملني كده؟ عشان كده كنت بتمنع عني الفلوس وبتقول لي استخدمي معاش ماما؟
أحمد قرب خطوة.
أنا كنت بحاول أخلي كل حركة ليّا تبان عادية.
عادية؟ إنت كنت بتخليني أحس إني ولا حاجة في حياتك!
نزل عينه.
عارف.
سامح قاطعنا
المشكلة إن الشخص اللي بندور عليه مش مجرد حد اختفى من زمان.
بصيت له.
أمال مين؟
قال
هو اللي كان بيتابع المؤسسة.
سألت
ومين صاحب المؤسسة الحقيقي؟
سامح ما جاوبش.
أحمد قال
مريم قبل ما تعرفي الاسم، لازم تعرفي حاجة أهم.
إيه؟
أخرج ورقة من جيبه.
المؤسسة اتعملت قبل جوازنا بأسبوع.
أخذت الورقة.
كان التاريخ واضح.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر الصفحة.
اسم المؤسسة كان نفس اسم والدتي.
رفعت عيني ببطء.
ماما؟
أحمد هز رأسه.
أيوه.
حماتي بدأت تبكي.
قلت
إنتِ تعرفي أمي؟
فضلت ساكتة.
ماما تعرفي أمي منين؟
رفعت عيني لي، وقالت
كانت أقرب إنسانة ليا.
اتجمدت.
أمي كانت توفت من سنين، وحماتي عمرها ما حكتلي إنها تعرفها.
لكن قبل ما أقدر أسألها، سمعنا صوت طرق شديد على باب البيت.
أحمد بص لسامح.
سامح قال
وصلوا.
سألته
مين؟
أحمد مسك إيدي.
ماتخافيش.
قلت
مين اللي وصل؟
وقبل ما يجاوب، الباب اتفتح ببطء.
ودخل رجل كبير في السن.
وقف قدام حماتي.
هي أول ما شافته، شهقت ووضعت إيدها على قلبها.
والرجل قال جملة واحدة
كفاية يا فاطمة البنت لازم تعرف الحقيقة.
حماتي انهارت في الكرسي.
أما أنا، فبصيت للرجل وأنا حاسة إن ملامحه مألوفة بشكل مرعب.
ثم قال
أنا كنت آخر شخص شاف والدتك قبل وفاتها.
وسكت لحظة.
وأنا كمان كنت أول شخص يعرف إن وفاتها ماكانتِش الحكاية اللي اتقالتلك.
قلبي توقف تقريبًا.
أحمد بصلي، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
لكن الرجل أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه ومده لي.
وقال
الظرف ده والدتك كتبتهولك قبل وفاتها.
نظرت للظرف.
اسمي كان مكتوبًا عليه بخط أمي.
وتحت اسمي مباشرة
لا تعطيها هذا الخطاب إلا عندما تتأكد أن أحمد يستطيع حمايتها فضلت باصة لأحمد، وكأن الكلام اللي قاله لسه بيرن في وداني.
يعني إيه مش أبويا؟
أحمد قرب مني، لكني رجعت خطوة لورا.
ماتقربش جاوبني.
قال
أنا ماعرفش مين أبوكي الحقيقي.
صرخت
أمال قلتلي إن الراجل ده يعرف؟!
رد سامح
هو يعرف جزء من الحقيقة، مش كلها.
الرجل الكبير ظل ساكتًا.
بصيت له
إنت وعدت أمي إنك هتحافظ على السر دلوقتي أنا عايزة أعرف.
قال
أمك ما كانتش عايزة تخبي عنك الحقيقة للأبد. كانت مستنية الوقت المناسب.
والوقت المناسب جه.
هز رأسه.
يمكن.
ثم أخرج ورقة قديمة جدًا.
دي أول ورقة اتكتبت يوم ولادتك.
أخذتها بإيد مرتعشة.
كان فيها اسم أمي
لكن خانة الأب كانت فارغة.
اتصدمت.
يعني حتى شهادة الميلاد الأصلية مفيهاش اسم؟
قال
لأن أمك رفضت تكتب اسم الشخص.
سألت
ليه؟
نظر إلى حماتي.
حماتي قالت وهي بتبكي
لأنها كانت خايفة عليكِ.
من مين؟
لم تجب.
فجأة أحمد
من نفس الشخص اللي بيحاول يوصل للوثيقة لحد دلوقتي.
سكتنا كلنا.
ثم سمعت صوت رسالة.
فتحت موبايلي.
لو عايزة تعرفي مين أبوكي روحي البيت رقم 17 لوحدك.
رسالة ثانية وصلت بعدها مباشرة
وأوعي تاخدي أحمد معاكي.
رفعت عيني لأحمد.
كان واقفًا وبيقرأ الرسالة من على الشاشة.
قال
ماتروحيش.
قلت
ليه؟
لأنهم عايزينك تروحي لوحدك.
مين هم؟
ما ردش.
سامح قال
البيت رقم 17 مش مجرد بيت.
سألته
أمال إيه؟
قال
ده المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
ثم للظرف القديم.
ثم للصورة.
وفجأة لاحظت تفصيلة ماكنتش واخدة بالي منها.
خلف صورة أمي وأنا طفلة، كان فيه رقم مكتوب بالقلم
17
وفي أسفله تاريخ
نفس تاريخ ميلادي.
رفعت الصورة لأحمد.
إنت كنت عارف إن الرقم ده موجود؟
سكت.
قلت
أحمد إنت كنت عارف؟
قال بصوت منخفض
كنت عارف إن البيت رقم 17 له علاقة بيكي.
وبعدين؟
بس ماكنتش عارف إنك اتولدتي هناك.
اتسعت عيني.
أنا اتولدت هناك؟!
وقبل ما يكمل، انطفأت أنوار البيت كلها.
وفي الظلام، سمعنا صوت المفتاح بيتحرك في باب الشقة.
حد كان بيحاول يدخل.
أحمد همس
ماتتحركيش.
لكن صوت الرجل اللي برا قال بوضوح
مريم أنا جاي آخد الحاجة اللي أمك سابتهالك.
وبعد لحظة صمت، أضاف
ولو ما سلمتيهاش هقولك مين أبوكي قبل ما أحمد يقدر يمنعني أكيد، دي النهاية
الباب اتفتح فجأة، والرجل دخل خطوة واحدة.
أحمد وقف قدامي فورًا.
مريم، ارجعي ورا.
الرجل ابتسم.
لسه بتحاول تحميها يا أحمد؟ بعد كل السنين دي؟
بصيت للرجل وقلت
إنت عايز إيه؟
قال
الوثيقة الأصلية.
رفعت الظرف اللي كانت أمي سايباه.
دي؟
هز رأسه.
أيوه.
أحمد قال بسرعة
ماتديهالوش.
الرجل ضحك.
لو ما اديتيهاش، مش هتعرفي الحقيقة أبدًا.
بصيت لأحمد.
أنا تعبت من الأسرار.
ثم فتحت الظرف.
كان جواه مستند واحد فقط.
قرأت أول سطر، واتسعت عيني.
الحق اللي أمي كانت بتحميه لم يكن مالًا عاديًا.
كان ملكية كاملة لأرض كبيرة ومبنى المؤسسة، وكانت أمي قد سجلته باسمي قبل وفاتها، لأن والدها كان قد تركه لها بشرط ألا تنتقل الملكية
والرجل حاول طوال السنين يثبت أن المستند مزور.
لكن توقيع أمي وشهادة المحامي كانوا كافيين لإثبات الحقيقة.
أما الرجل الموجود في الصور، فلم يكن والدي.
كان شقيق أمي، خالي، وهو الشخص الذي ساعدها في حماية الملكية.
أما والدي الحقيقي، فكان رجلًا آخر توفي قبل ولادتي، وأمي اختارت ألا تربطني بماضيه المؤلم.
بصيت لأحمد.
وإنت كنت عارف كل ده؟
قال
كنت عارف جزء. ولما اكتشفت إن خالك بيحاول يرجع الملكية لنفسه، بدأت أتحرك.
قلت
طب والفيديو؟ والفلوس؟ وسفرك؟
ابتسم لأول مرة منذ شهور.
الفيديو كان من افتتاح المؤسسة. والست اللي شوفتيها كانت المحامية اللي ساعدتنا. ماكانش فيه أي زواج.
سكت لحظة ثم قال
والفلوس اللي كنتِ فاكرة إني بحرمك منها كنت بحطها في حساب منفصل عشان أسدد ديون المؤسسة وأمنع بيع الأرض.
بصيت له بحيرة.
طب ليه ماقولتليش؟
قال
لأني كنت غلطان. افتكرت إن إني أحميكي من الحقيقة أسهل من إني أواجهك بيها.
اقتربت منه.
بس أنا كنت محتاجة منك الثقة مش الحماية.
نزل عينه.
عارف.
بعدها بدأت الإجراءات القانونية.
واتثبتت ملكيتي للأرض والمؤسسة رسميًا.
أما خالي، فتمت مواجهته بكل المستندات، ولم يعد قادرًا على المطالبة بشيء.
حماتي اعترفت لي بكل الحقيقة، واعتذرت عن قسوتها.
وقالت وهي بتبكي
أنا ظلمتك وكنت فاكرة إني بحمي سر أمك، لكني خسرت ثقتك.
سامحتها.
مش عشان اللي حصل كان سهل
لكن عشان فهمت أخيرًا ليه كانت بتتصرف بالطريقة دي.
أما أحمد، فكان أصعب شخص أسامحه.
قعد قدامي يوم كامل من غير ما يدافع عن نفسه.
وقال
لو عايزة تبدأي حياتك من غيري، هاحترم قرارك.
بصيت له طويلًا.
وقلت
أنا مش هنسى اللي عملته.
سكت.
ثم أكملت
بس ممكن أديك فرصة تصلح اللي كسرته.
رفع عيني لي.
ولأول مرة من شهور، ابتسم.
بعد سنة، المؤسسة اتفتحت رسميًا باسمي.
والمكان اللي كان سبب كل الأسرار بقى مكان بنساعد فيه أسر كتير محتاجة.
وفي يوم الافتتاح، وقفت قدام الصورة القديمة لأمي.
ابتسمت وقلت
دلوقتي فهمت ليه كنتِ سايبة لي حق مش ثروة.
وبصيت لأحمد اللي
كنت عارفة إن حياتنا مش هترجع زي الأول.
لكنها ممكن تبدأ من جديد
المرة دي من غير أسرار.
ومن غير خوف.
ومن غير ما حد يحاول يحمي التاني بالكذب.
لأن أكبر حقيقة اكتشفتها مريم لم تكن سر والدها ولا ثروة أمها كانت إن الثقة، لما تتكسر، محتاجة شجاعة أكبر من أي سر عشان ترجع.