سلفي يوصلني

لمحة نيوز


من الباب، لكن يوسف مسكني من إيدي وهمس
استني. لازم نسمعها قبل ما نقرر نصدقها.
فريدة كملت من بره
أنا مش جاية أخد المفتاح، ولا جاية أدافع عن نفسي. أنا جاية أقول لكم إن محمود عبدالعزيز ماټ من أسبوع... وإن قبل مۏته بيوم واحد، سلّمني تسجيل صوتي فيه اعتراف الشخص اللي زوّر أوراق الأرض.
قلبي دق پعنف.
فتحت الباب ببطء.
فريدة كانت واقفة لوحدها، ماسكة ظرف صغير، وعينيها مليانة دموع.
مدت الظرف ناحيتي وقالت
ده آخر تسجيل لمحمود. اسمعيه بنفسك، وبعدها احكمي عليّا زي ما تحبي.
فتحت الظرف، ولقيت فلاشة صغيرة، ومعاها ورقة مكتوب عليها اسم واحد.
الاسم اللي شفته خلاني أحس إن كل اللي فات كان مجرد مقدمة للحقيقة.
لأن الاسم كان اسم والدي أنا.
بصيت لفريدة وقلت
إزاي أبويا متورط في تزوير الورق، وهو ماټ قبل ما أعرف أصلًا إن فيه قضية؟!
فريدة مسحت دموعها، وقالت
عشان أبوكي ماكانش هو اللي زوّر الورق يا سلمى. اسمه اتكتب على المستندات بعد ۏفاته، عشان محدش يشك في الشخص الحقيقي.
وبعدين قربت مني وهمست
الشخص اللي زوّر توقيع أبوكي لسه عايش، ولسه بيحاول يوصل للمفتاح... والشخص ده مش جلال، ولا حسام، ولا مروان.
وقبل ما أسألها عن الاسم، طلعت من شنطتها صورة قديمة، وحطتها قدامي.
كانت صورة عائلية لينا أنا وحسام ومروان في حفل خطوبتنا.
لكن في خلفية الصورة، كان فيه راجل واقف بعيد، باصص ناحيتي.
فريدة أشارت له وقالت
الراجل ده هو اللي كان بييجي بيتكم وإنتِ طفلة... واللي أمك كانت پتخاف منه.
قربت الصورة من عيني.
ولما عرفت مين هو، حسيت إن قلبي وقع من مكانه.
لأن الراجل اللي في الصورة كان... والد حسام نفسه!
النهاية السر اللي ماټت أمي وهي بتحاول تخبيه!
فضلت باصة للصورة، مش قادرة أصدق إن والد حسام، الراجل اللي كنت بناديه عمي، هو نفسه الشخص اللي أمي كانت خاېفة منه.
بصيت لفريدة وقلت
إنتِ متأكدة من الكلام ده؟! إزاي والد حسام يبقى متورط في حاجة زي دي، وهو طول عمره كان بيعاملني كويس؟!
فريدة ردت بحزن
يا سلمى، مش كل اللي بيبتسم لنا بيكون بيقول لنا الحقيقة كاملة. أبو حسام كان شريك جدك في الأرض، وبعد ۏفاة جدك اكتشف إن أمك ويوسف ليهم حق كبير في الميراث. بدل ما يعترف بحقهم، قرر يستولي على الأرض، واستغل إن يوسف كان بعيد عن العيلة، وإن أمك مكنش معاها كل المستندات.
يوسف كان واقف ساكت، وعينيه مليانة دموع.
قال بصوت مكسور
يعني كل السنين اللي قضيتها فاكر إن أمي تخلت عني، كانت بتحاول ترجعني ليها؟
فريدة هزت راسها.
أيوه. أمك فضلت تدور عليك لحد آخر يوم في عمرها.
يوسف غطى وشه بإيده وعيط.
أما أنا، فكنت حاسة إن حياتي كلها اتبنت على حكاية ناقصة، وإن ناس كتير قرروا بالنيابة عني إيه اللي أعرفه وإيه اللي يفضل مستخبي عني.
لكن كان فيه سؤال لسه من غير إجابة.
مين اللي زوّر الأوراق بعد ۏفاة أبويا؟
فتحت الفلاشة على اللابتوب، وشغلت تسجيل محمود عبدالعزيز.
ظهر صوت راجل كبير في السن، بيتكلم بصعوبة
أنا محمود عبدالعزيز، الموظف السابق في الشهر العقاري. بشهد إن ورقة التنازل عن أرض عائلة نادية اتقدمت بعد ۏفاة زوجها، وإن التوقيع المنسوب له اتضاف بعد كده. وأنا سكت سنين خوفًا من الڤضيحة، وده كان غلط كبير.
سكت التسجيل لحظات، وبعدها كمل
الشخص اللي طلب مني أغيّر بيانات الملف كان شريك زوج نادية، جلال عبدالسلام. لكنه مكنش بيتصرف لوحده. كان فيه شخص من داخل العيلة بيوصله بالمعلومات، وبيساعده يعرف مواعيد نقل المستندات.
فريدة قربت من الشاشة، ورفعت صوت التسجيل.
الشخص ده كان ابنه... حسام.
حسيت إن قلبي وقع.
بصيت لفريدة، وقلت
يعني حسام كان عارف كل حاجة؟!
لكن التسجيل كمل قبل ما حد يرد
أنا عايز أوضح إن حسام وقتها كان شاب صغير، وكان والده بيستخدم اسمه من غير علمه في بعض المعاملات. وبعد سنوات، لما حسام اكتشف الحقيقة، بدأ يدور على يوسف، وحاول يرجّع الحقوق لأصحابها.
التسجيل انتهى.
فضلنا ساكتين، لحد ما موبايل فريدة رن.
كانت مكالمة من حسام.
رديت أنا المرة دي.
حسام، إنت فين؟!
قال بسرعة
أنا في مكتب المحامي، والشرطة معايا. عرفنا مين اللي بعت الرسائل المجهولة، ومين اللي حاول ياخد المفتاح.
مين؟!
واحد من الموظفين السابقين اللي كان شغال مع جلال. كان بيحاول يوصل لصندوق الأمانات عشان يختفي المستند الأصلي اللي بيثبت تزوير عقد الأرض.
سألته
وإنت ليه اختفيت؟
رد بحزن
أنا مكنتش مخطۏف يا سلمى. الراجل خد مني الموبايل وحاول يضغط عليا عشان أسلّمه المفتاح، لكن قدرت أخرج وأوصل للمحامي. كنت غلطان إني مخبي عنك الحقيقة، لكن عمري ما كنت عايز أضيّع حقك.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا آسف يا سلمى. كان لازم أحكيلك من أول يوم.
قفلت المكالمة، وقررت إني مش هحكم على حسام من كلام حد، ولا هسامحه لمجرد إنه اعتذر. الحقيقة لازم تتثبت، وكل واحد لازم يتحمل مسؤولية قراراته.
بعد يومين، اجتمعنا في مكتب المحامي.
كان معانا المفتاحان، والدفتر الأسود، وتسجيل محمود، وصور المستندات القديمة.
المحامي قدر يوصل لصندوق الأمانات، ولقى أصل الوثيقة اللي كانت مفقودة.
الوثيقة أثبتت إن الأرض كانت مملوكة لجدتي، وإن أمّي ويوسف ليهم حقوق فيها، وإن عقد التنازل اللي اتقدم بعد كده كان مزورًا.
وبعد مراجعة الحسابات، اكتشفنا إن جزءًا كبيرًا من ثمن الأرض اتنقل لحسابات مرتبطة بجلال، بينما الجزء
المتبقي اتوزع على معاملات مشروعة وأخرى محل تحقيق.
القضية دخلت مسارها القانوني، واتفتحت تحقيقات رسمية في التزوير والاستيلاء على الميراث.
أما فريدة، فاعترفت إنها كانت عارفة جزءًا من الحقيقة من سنين، لكنها خاڤت تتكلم بعد ما جلال هددها بخسارة بيتها وسمعتها. سكوتها كان غلط، لكنها تعاونت بعد كده وقدمت المستندات اللي معاها.
وبعد شهور من التحقيقات، صدر حكم برد الحقوق القانونية لأصحابها، واتحاسب المسؤولون عن التزوير بحسب دور كل واحد في القضية.
يوسف رجع أخيرًا لعيلته، وزار قبر أمي، وحط وردة بيضا على قپرها.
وقف قدام القپر وقال
سامحيني يا أمي. أنا صدقت كلام الناس، ومكنتش أعرف إنك فضلتي تدوري عليا لحد آخر لحظة.
وقفت جنبه، ومسكت إيده.
هي كانت بتحبك يا يوسف. وأنا مش هسمح إننا نضيع من بعض تاني.
أما حسام، فكانت بيني وبينه مواجهة أخيرة.
قعدنا في البيت، في نفس المكان اللي كان بيضحك فيه كل مرة أحكيله عن الدوخة اللي بتحصلي.
قلت له
أنا مش قادرة أنسى إنك كنت عارف إن فيه أسرار بتخص حياتي وعيلتي، ومع ذلك سبتني تايهة وسط الشكوك. والأصعب إنك كل مرة كنت بتقلل من تعبي بدل ما تساعدني أفهم سببه.
حسام نزل عينيه.
أنا غلطت. كنت فاكر إن السكوت هيحميكي من مشاكل أكبر، لكن اكتشفت إني زودت خۏفك وضيعت ثقتك فيا.
وبعدها طلب مني فرصة نبدأ من جديد، لكن المرة دي من غير أسرار.
وافقت إني أدي علاقتنا فرصة، بشرط إن الصراحة تبقى أساس حياتنا، وإنه مفيش قرار يخصني يتاخد من ورايا تاني.
وفي نفس الوقت، تابعت مع الدكتور عشان نعرف سبب نوبات الدوخة والإغماء اللي كانت بتحصلي. عملت الفحوصات المطلوبة، واكتشفنا إن عندي مشكلة صحية محتاجة علاج ومتابعة، وإن الإرهاق وقلة الأكل كانوا بيزودوا الأعراض. لكن الدكتور وضّح إن السبب لازم يتحدد من نتائج الفحوصات، مش بالتخمين.
وبمرور الوقت، بدأت حالتي تتحسن مع العلاج والاهتمام بصحتي.
أما مروان، فاعتذر لي لأنه استهان في البداية بالأعراض اللي كنت بحكيله عنها، ووعدني إنه عمره ما هيعتبر شكوى أي حد مجرد مبالغة من غير ما يتأكد.
بعد سنة كاملة، اتجمعت العيلة في بيت يوسف الجديد.
كان أول عيد نقضيه كلنا سوا من غير خوف، ولا أوراق مستخبية، ولا أسئلة من غير إجابات.
يوسف احتفظ بدفتر أمي، وأنا احتفظت برسالتها اللي كانت بتقول فيها إنها سابت لي حق لازم أرجعه.
لكن مع الوقت، فهمت إن الحق ده مكنش مجرد أرض أو فلوس.
كان حقي أعرف الحقيقة عن أمي، وحق يوسف يعرف إن أمه عمرها ما تخلت عنه، وحقنا كلنا نعيش من غير ما حد يقرر بالنيابة عننا إيه اللي نستحق نعرفه.
وفي آخر زيارة لقبر أمي، قريت لها آخر سطر في رسالتها، اللي كنت محتفظة بيه في محفظتي
يا سلمى، يمكن الحقيقة تتأخر، ويمكن الناس تقدر تخبيها سنين، لكن الحق عمره ما بيضيع طول ما فيه حد عنده الشجاعة يدور عليه.
حطيت الوردة على القپر، وابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من سنين، مكنش عندي سؤال من غير إجابة.
تمت النهاية.

 

تم نسخ الرابط