اتجوزت حب عمري بعد فراق دام

لمحة نيوز

اتجوزت حب عمري الأول بعد فراق دام خمسة وأربعين سنة، علشان أحقق لها آخر أمنية قبل غيابها لكن بعد ما غابت، ابنها سلّمني جواب مقفول، وقاللي جملة خلت قلبي يقف من الصدمة إنت متعرفش الحقيقة كلها عن أمي هي سابتلك الجواب ده، ووصّتني ما أديهولكش غير بعد غيابها!
ماكنتش أعرف إن الجواب ده هيخليني أكتشف إن الست اللي فضلت أحبها طول عمري، كانت شايلة سر يخصني أنا شخصيًا من يوم ما افترقنا. وسر لو كنت عرفته من خمسة وأربعين سنة، كان ممكن يغيّر حياتنا كلنا!
لكن علشان تفهموا حكايتي، لازم أرجع بيكم لليوم اللي شوفتها فيه بعد السنين الطويلة دي كلها. اسمي محمود، عندي أربعة وستين سنة. أنا راجل عشت عمري كله تقريبًا لوحدي، رغم إني اتجوزت زمان وخلفت بنت، لكن مراتي غابت من اتناشر سنة، وبنتي اتجوزت وسافرت مع جوزها.
ومن يومها، بقيت عايش في شقتي القديمة، وسط صور وذكريات وهدوء ساعات كان بيبقى أصعب من أي وجع. كنت موظف حكومي، ولما طلعت معاش، حسيت إن الأيام بقت شبه بعضها. أصحى الصبح، أصلي، أفطر لوحدي، وأنزل أتمشى شوية، وأرجع أقعد قدام التلفزيون لحد ما الليل ييجي.
وفي يوم، واحد صاحبي اقترح عليّا أشارك في نشاط تطوعي لزيارة المرضى في المستشفى. قاللي يا محمود، بدل ما إنت قاعد لوحدك، انزل اقعد مع الناس اللي محتاجة حد يسمعها. يمكن ربنا يجعل وجودك سبب في فرحة قلب تعبان. عجبتني الفكرة. وبالفعل، بقيت أروح المستشفى تلات مرات في الأسبوع.
كنت بقعد مع المرضى اللي مالهمش زوار كتير، أسمع حكاياتهم، وأحاول أخفف عنهم بكلمة طيبة. ماكنتش أعرف إن باب أوضة واحدة في المستشفى ده، هيفتحلي باب من الماضي كنت فاكره اتقفل للأبد. في يوم خميس، وأنا داخل المستشفى، قابلتني ممرضة اسمها هناء.
قالتلي يا أستاذ محمود، عندنا مريضة جديدة في الدور التالت. حالتها صعبة شوية، وبقالها يومين مش عايزة تتكلم مع حد. سألتها مالها يا بنتي؟ ردت بحزن عندها حالة صحية صعبة في مرحلة متقدمة، والدكاترة بيحاولوا يخففوا عنها الألم. ابنها بيزورها، بس هي أغلب الوقت ساكتة.
قلت ربنا يشفيها ويهون عليها. اسمها إيه؟ بصت في الورق اللي معاها وقالت ليلى عبد الحميد. الاسم خلاني أقف مكاني. ليلى عبد الحميد! حسيت بحاجة غريبة جوا صدري. الاسم ده أنا حافظه من وأنا عندي سبعتاشر سنة. لكن بسرعة طردت الفكرة من دماغي.
قلت لنفسي معقول يعني تكون هي؟! الدنيا مليانة ناس بنفس الاسم. طلعت الدور التالت، ومشيت في الممر الطويل لحد ما وصلت لأوضة رقم ٣١٢. خبطت على الباب خبطتين خفيفين. سمعت صوت ست ضعيف بيقول اتفضل. فتحت الباب ودخلت.
كانت نايمة على السرير، ووشها شاحب، وشعرها الأبيض ظاهر من تحت طرحة قطنية خفيفة، وإيديها الرفيعة فوق الغطا. أول ما رفعت عينيها وبصتلي، حسيت إن الزمن وقف. العيون دي! أنا أعرف العيون دي حتى لو عدّى عليها ميت سنة!
بصتلي باستغراب. فضلت تتأمل وشي، وبعدين ضيّقت عينيها كأنها بتحاول تفتكر حاجة بعيدة. قلت تاني ليلى عبد الحميد إنتِ ليلى اللي كانت في مدرسة البنات جنب مدرستنا؟ فتحت بقها من الدهشة. وبعدين رفعت إيدها على صدرها وقالت محمود؟! ابتسمت، والدموع سبقتني.
أيوه يا ليلى محمود. فضلت باصة ليّ ثواني، وفجأة ضحكت. ضحكة ضعيفة، لكنها كانت نفس الضحكة اللي فضلت أسمع صداها في وداني سنين طويلة. قالت يا نهار أبيض! محمود؟! محمود اللي كان بيستناني عند المكتبة كل يوم؟! ضحكت وسط دموعي. أيوه، هو نفسه بس شعره أبيض شوية!
ردت وهي بتضحك شوية إيه يا راجل؟! ده إنت بقيت شبه جدي! قربت من الكرسي اللي جنب سريرها وقعدت. فضلنا نبص لبعض كأننا مش مصدقين. خمسة وأربعين سنة! خمسة وأربعين سنة كاملة من غير ما أشوفها، ولا أسمع صوتها، ولا أعرف عنها حاجة.
وفجأة، لقيتها قدامي. بس مش البنت اللي كانت بتجري في الشارع وهي شايلة كتبها. لقيتها ست كبيرة، الحالة الصحية أكلت من صحتها، لكن ملامحها لسه محتفظة بنفس الطيبة. سألتها إنتِ عاملة إيه يا ليلى؟ ابتسمت ابتسامة حزينة. زي ما إنت شايف الدنيا أخدت مني كتير يا محمود.
قلت ربنا قادر يهون عليكي. بصتلي وقالت وإنت؟ عملت إيه في حياتك؟ اتجوزت؟ خلفت؟ حكيتلها عن مراتي الله يرحمها، وعن بنتي اللي سافرت، وعن شغلي والمعاش. وهي حكتلي إنها اتجوزت وخلفت ولد اسمه أحمد، وإن جوزها غاب من سنين.
لكن الغريب إنها كل ما كنت أجيب سيرة أيام زمان، كانت عينيها تلمع بالدموع، وتغيّر الموضوع بسرعة. في اللحظة دي ماخدتش بالي. كنت فرحان إني لقيتها وبس. علشان تفهموا ليلى كانت مين بالنسبة لي، لازم أحكيلكم عن أيام شبابنا.
كنت عندي سبعتاشر سنة لما عرفتها. هي كانت أصغر مني بشهور. أبوها كان مدرس لغة عربية، وأبويا كان موظف بسيط. كنا ساكنين في نفس المنطقة، وكنت بشوفها كل يوم تقريبًا وهي رايحة المدرسة. كانت بنت هادية، محترمة، بتحب القراية، وعندها ضحكة تخلي الواحد ينسى هموم الدنيا.
أول مرة اتكلمنا كانت في مكتبة صغيرة جنب المدرسة. كنت واقف بدوّر على كتاب، وهي كانت عايزة نفس النسخة. مدت إيدها عليه في نفس اللحظة اللي أنا مديت فيها إيدي. ضحكت وقالت واضح إننا بندور على نفس الحاجة. قلت خديه إنتِ.
قالت لا، خده إنت. قلت وأنا بابتسم طب إيه رأيك نعمل اتفاق؟ تقريه الأول، وبعد ما تخلصيه تدّيهولي. ضحكت وقالت ماشي، بس أوعى تنسى. ومن يومها، بدأت الحكاية. بقينا نتقابل صدفة عند المكتبة، وبعدها الصدفة بقت معاد مستنيه طول اليوم. كنا بنتكلم عن الكتب والدراسة وأحلامنا.
كانت نفسها تبقى مدرسة زي أبوها. وأنا كنت بحلم أشتغل وأكوّن بيت صغير، وأجيب مكتبة كبيرة نحط فيها كل الكتب اللي بنحبها. وفي يوم، وإحنا واقفين قدام المكتبة، سألتني محمود، إنت نفسك تتجوز واحدة عاملة إزاي؟ بصيتلها وقلت واحدة بتحب القراية، وبتضحك كتير، واسمها بيبدأ بحرف اللام.
وشها احمر، وضحكت بخجل. يا سلام! دي مواصفات صعبة أوي! قلت بس أنا لقيتها خلاص. سكتت شوية، وبعدين قالت وإنت ناوي تعمل إيه؟ قلت بجدية أول ما أخلص تعليمي وأشتغل، هاجي أطلب إيدك من أبوكي. بصتلي طويلًا، وقالت توعدني؟
مديت إيدي، وقلت أوعدك يا ليلى. ابتسمت وقالت وأنا هستناك. ماكنتش أعرف إن الوعد البسيط ده هيفضل عايش جوايا خمسة وأربعين سنة. بعدها بسنة، أبويا تعب جدًا، واضطريت أسافر مع عيلتي علشان نعيش عند عمي فترة. قبل ما أسافر، روحت لليلى. كانت واقفة قدام بيتهم، وعيونها مليانة دموع.
قلت مش هتأخر عليكي. أول ما ظروفنا تتحسن، هرجع. قالت وأنا هستناك يا محمود بس ماتنسانيش. قلت أنساكي إزاي وإنتِ أول واحدة قلبي حبها؟ يومها ادتني كتاب صغير، وكانت كاتبة على أول صفحة إلى محمود بعض الوعود لا يمحوها الزمن. احتفظت بالكتاب ده طول عمري.
لكن بعد سفري، حصلت حاجات غريبة. بعتلها جواب على عنوان بيتهم، وماجاليش رد. بعت جواب تاني، وتالت، ورابع. ولا رد. وبعد شهور، رجعت البلد يومين، وعرفت إن عيلتها سابت البيت وانتقلت لمكان تاني. سألت الجيران، محدش كان يعرف عنوانهم الجديد.
واحد من معارف أبوها قاللي إنها اتخطبت. الكلمة يومها كسرتني. فضلت فترة طويلة مش قادر أصدق. إزاي ليلى اللي وعدتني تستناني، تتخطب من غير حتى ما تبعتلي كلمة؟ حاولت أدور عليها، لكن كل الأبواب كانت مقفولة. ومع الوقت، استسلمت. قلت لنفسي إنها اختارت حياتها، وإن من حقها تعيش.
وبعد سنين، اتجوزت واحدة طيبة ومحترمة، وعشت معاها حياة هادية، وربنا رزقني منها ببنتي. عمري ما ظلمت مراتي، ولا قارنتها بحد. لكن الذكرى الأولى فضلت موجودة في مكان بعيد من قلبي. مش لأن حياتي كانت ناقصة، لكن لأن الحكاية انتهت من غير ما أعرف سبب النهاية.
رجعت من ذكرياتي على صوت ليلى وهي بتناديني محمود إنت سرحت في إيه؟ ابتسمت وقلت في المكتبة القديمة. ضحكت وقالت لسه فاكرها؟ قلت فاكر كل حاجة. سكتت فجأة. وبعدين سألتني سؤال غريب محمود إنت زعلت مني زمان؟
بصيتلها باستغراب. زعلت؟ أنا اتوجعت يا ليلى. بس عمري ما كرهتك. عينيها دمعت. قالت سامحني. اتخضيت من نبرة صوتها. أسامحك على إيه؟ هزت راسها وقالت على حاجات كتير يمكن في يوم تعرفها. كنت هسألها تقصد إيه، لكن الممرضة دخلت علشان تديها العلاج.
اضطريت أمشي. وقبل ما أخرج، مسكت إيدي وقالت هتيجي تاني؟ ابتسمت. هاجي بكرة، وبعده، وكل يوم لو تسمحيلي. قالت وهي بتبتسم اتأخرت أوي يا محمود. رديت بس رجعت أهو. من اليوم ده، بقيت أزورها كل يوم. كنت أجيبلها ورد أبيض، لأنها كانت بتحبه من زمان.
وأحيانًا أجيب كتاب وأقعد أقرأ لها منه. كانت بتضحك لما أتلخبط في القراية، وتقولي إنت لسه زي ما إنت
 

تم نسخ الرابط