اتجوزت حب عمري بعد فراق دام
وعارف إن ليك ابن لكنه اختار يسكت خمسة وأربعين سنة! قالها أحمد وهو واقف قدامي، وفي إيده الموبايل اللي عليه صورة اعتراف أبويا. كنت فاكر إن أصعب لحظة في حياتي كانت يوم ما ودعت ليلى.
لكن اكتشفت إن فيه وجع أصعب من الغياب نفسه. إنك تكتشف إن الناس اللي كنت بتثق فيهم، واللي كنت فاكر إنهم بيحموك، هما نفسهم اللي ضيّعوا أجمل سنين عمرك! بصيت لأحمد وقلتله بصوت بيرتعش يعني أبويا كان عارف إن عندي ابن؟! وعاش وغاب من غير ما يقولي؟! هز راسه بحزن.
مش بس كده يا بابا ده كان فيه اتفاق بينه وبين جدي إن الحقيقة دي تفضل مدفونة. حسيت إن نفسي ضاق. قلتله اتفاق على إيه؟! وإيه السر اللي يخلي اتنين يضحوا بحياة ولادهم بالشكل ده؟! مسك إيدي وقال تعالى معايا البيت، وهتفهم كل حاجة.
ركبت العربية جنب أحمد، وفضلت طول الطريق ساكت. كنت ببص من الشباك، والذكريات بتجري قدام عيني. افتكرت أبويا وهو بيقولي زمان انسى ليلى يا محمود، البنت دي مش من نصيبك. وافتكرت إزاي كنت بترجاه يخليني أروح أشوفها مرة أخيرة. وإزاي كان بيرفض بعصبية، ويقولي البيت ده اتقفل، ومش هيتفتح تاني!
كنت فاكر إنه بيعمل كده علشان كرامته. لكن دلوقتي عرفت إن ورا كلامه حكاية تانية. وصلنا بيت أحمد. كان بيت بسيط ومرتب، فيه ريحة قهوة ودفا عيلة أنا اتحرمت منها سنين طويلة. أول ما دخلنا، خرجت ست في أواخر التلاتينات.
أحمد ابتسم وقال دي مراتي، نادية. سلمت عليّا بحرارة، وقالت وعينيها مليانة دموع نورت بيتك يا عمي محمود أحمد حكى لي كل حاجة. قبل ما أرد، سمعت صوت طفل بينادي بابا! مين الضيف؟ بصيت ناحية الصوت. لقيت ولد عنده حوالي عشر سنين واقف على باب الأوضة، ووراه بنت أصغر منه.
أحمد نادى عليهم. تعالوا يا حبايبي، سلموا على جدكم. الكلمة وقعت على قلبي زي المطر بعد سنين عطش. جدكم! أنا بقيت جد لطفلين ماكنتش أعرف إنهم موجودين! قرب الولد مني وقال ببراءة حضرتك جدو محمود؟ نزلت على ركبتي بالعافية، وفتحت دراعاتي. أيوه يا حبيبي أنا جدو محمود.
حضني الطفل، وبعده أخته. وفي اللحظة دي، ماقدرتش أتماسك. عيطت. عيطت على كل عيد عدى من غيرهم. وعلى كل عيد ميلاد ماحضرتوش. وعلى أول يوم مدرسة ماكنتش موجود فيه. وعلى سنين كنت فاكر فيها إن حياتي خلصت، بينما كان ليا عيلة كاملة مستنياني من غير ما أعرف.
أحمد قرب مني وقال خلاص يا بابا اللي فات فات، وإحنا لسه قدامنا عمر نعيشه سوا. بصيتله وقلت أنا مش زعلان على نفسي قد ما أنا زعلان عليك يا ابني. ابتسم بحزن. أنا اتربيت كويس، والراجل اللي رباني عمره ما قصر معايا. ربنا يرحمه. بس كان نفسي أعرفك بدري. حضنته وقلت وأنا كمان يا أحمد وأنا كمان.
بعد ما الأطفال دخلوا أوضتهم، أحمد جاب صندوق خشب قديم وحطه على الترابيزة. كان صندوق صغير، لونه بني غامق، وقفلته نحاس. قال أمي كانت محتفظة بيه من يوم ما جدي مات. وكل مرة تحاول تفتحه، تنهار من العياط. فتح الصندوق.
لقيت رزمة جوابات مربوطة بشريط أزرق قديم. وصور ليا وأنا شاب. وصورة ليلى يوم كتب كتابنا الأول. ومنديل أبيض صغير مطرز عليه أول حرف من اسمي واسمها. مديت إيدي ولمست المنديل. افتكرته فورًا. كنت اديتهولها يوم كتب كتابنا، وقلت لها بهزار لحد ما أجيبلك هدية تليق بيكي، خدي المنديل ده وافتكريني.
احتفظت بيه خمسة وأربعين سنة! حسيت بغصة في زوري. قلت يا ليلى إنتِ كنتِ شايلة كل ده جواكي؟ أحمد طلع ظرف تاني من الصندوق. قال ده اعتراف جدك، بخط إيده وتوقيعه. فتحت الورقة وبدأت أقرأ.
أنا عبد الرحمن، أكتب هذا الاعتراف بعدما تقدمت بي السنون، وأصبحت أخشى أن أقابل الله وفي رقبتي مظلمة ابني وحفيدي. منذ سنوات طويلة، دخلت في شراكة تجارية مع عبد الحميد والد ليلى. كنا نعمل في تجارة الأدوات الكهربائية، وحققنا أرباحًا كبيرة. لكن الطمع دخل بيننا.
في إحدى الصفقات، اكتشفنا أن أحد الموردين قدم لنا بضائع بفواتير غير صحيحة. وكان من الممكن أن نتعرض للمساءلة القانونية بسبب المستندات التي وقعنا عليها. بدلًا من أن نبلغ الجهات المختصة ونكشف الحقيقة، قررنا إخفاء الأوراق حتى لا نخسر تجارتنا وسمعتنا.
ثم حدث خلاف بيني وبين عبد الحميد على المال والمسؤولية. كل واحد منا اتهم الآخر بأنه السبب. وفي وسط هذا الخلاف، كان محمود وليلى قد عقدا قرانهما. خفت أن يستخدم عبد الحميد زواج ابنتي من ابنه وسيلة للضغط عليّ، وهو خاف أن أكشف تورطه في المستندات.
فاتفقنا على إنهاء الزواج، وقطع كل صلة بين العائلتين. وعندما علم عبد الحميد بحمل ليلى، أخبرني بالأمر. كنت أعلم أن الطفل حفيدي. لكنني خفت أن يعيد وجوده الاتصال بين العائلتين، وأن ينكشف السر القديم. وافقت على إخفاء الحمل عن محمود، وأخبرته أن ليلى لا تريده.
أما عبد الحميد فأخبر ابنته أن محمود تخلى عنها. وبعد الطلاق، ظننا أن الأمر انتهى. لكن الحقيقة لم تنتهِ. كبر محمود حزينًا. وكبرت ليلى بعيدة عنه. وولد حفيدي دون أن يعرف أباه. وأنا كلما رأيت ابني يبتسم، شعرت أنني سرقت منه شيئًا لا يمكن تعويضه.
لقد فضلت سمعتي ومالي على سعادة ابني. وارتكبت ظلمًا لا أجد له عذرًا. أسأل الله المغفرة، وأرجو من محمود، إن وصل إليه اعترافي يومًا، أن يعلم أن ذنبي كان عظيمًا. وألا يكرر خطئي، فيترك الخوف أو الكبرياء يحرمانه ممن يحب. خلصت القراية.
وحطيت الورقة على الترابيزة. فضلت ساكت فترة طويلة. ماكنتش عارف أعيط ولا أصرخ. أبويا اللي كنت فاكره سندي، كان سبب في أكبر وجع عشته. والأغرب إنه عاش سنين شايفني وحيد، وساكت. افتكرت يوم ما مراتي غابت. أبويا كان وقتها عايش، وقعد جنبي وقاللي ماتزعلش يا محمود، ربنا يعوضك خير.
يا ترى كان حاسس بإيه وهو بيقول الكلمة دي؟ كان عارف إن ليا ابن بعيد عني؟ كان عارف إن فيه حفيد من دمه عمره ما شافه؟ سألت أحمد أبويا كتب الاعتراف ده إمتى؟ قال قبل غيابه بحوالي سنتين، حسب التاريخ المكتوب عليه.
قلت يعني كان عنده وقت يقولي الحقيقة لكنه ماقالش! أحمد سكت. وأنا كملت عارف يا أحمد، أكتر حاجة وجعاني مش إنه غلط زمان كلنا ممكن نغلط. لكن إنه فضل ساكت لحد ما غاب. حط أحمد إيده على كتفي.
أمي كانت بتقول إن الندم اللي مابيصلحش الغلط، بيفضل وجع في قلب صاحبه. بصيتله. أمك كانت أطيب من إنها تشيل كل الوجع ده. قال علشان كده هي سامحتهم قبل ما تغيب، لكنها ماقدرتش تنسى. بعد شوية، أحمد طلع تليفون قديم من درج الصندوق. قال فاضل آخر حاجة يا بابا.
بصيتله. إيه؟ قال تسجيل أمي. حسيت قلبي بيدق بسرعة. بصوتها؟ هز راسه. أيوه. سجلته قبل غيابها بأيام، ووصّتني أسمعهولك بعد ما تعرف الحقيقة. ضغط على زر التشغيل. وفي لحظة، سمعت صوت ليلى. صوتها كان ضعيف ومتعب، لكنه نفس الصوت اللي كنت مستني أسمعه خمسة وأربعين سنة.
محمود لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا خلاص مشيت. ماتزعلش مني إني سبتك تكتشف الحقيقة بالطريقة دي. أنا كنت عايزة أقولك كل حاجة وإنت قاعد جنبي، لكن كل مرة كنت ببص في عينيك، كنت بخاف أكسر الفرحة اللي رجعتلنا بعد العمر ده كله.
عارف يا محمود؟ أنا طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إنك نسيتني. كنت أحيانًا أصحى من النوم وأفتكر أيامنا، وأسأل نفسي يا ترى محمود عايش فين؟ يا ترى اتجوز وخلف؟ يا ترى بيفتكرني زي ما أنا بفتكره؟ ولما عرفت إنك ماكنتش تعرف حاجة عن حملي، حسيت إن قلبي بيتقطع عليك.
كنت عايزاه يحس إن ليه أب بيحبه، حتى لو اتأخر عليه العمر كله. ومحمود أوعى تزعل من أحمد لو حسيت إنه متردد أو خايف يقرب منك. هو عاش عمره كله وهو فاكر إنك سبتنا. اديه وقت. وخليه يعرف إنك ماكنتش السبب.
وعايزة أقولك حاجة أخيرة فاكر يوم ما سألتني في المستشفى إذا كنت ندمانة على حياتي؟ أنا قلتلك لأ. وكنت صادقة. أنا اتوجعت كتير، لكن ربنا رزقني بابن صالح، وجوز محترم ربّاه، وناس طيبة وقفت جنبي.
وعلمني إن الإنسان ممكن يعيش حياة مختلفة عن اللي حلم بيها، وبرضه يلاقي فيها خير كتير. بس كان فيه أمنية صغيرة فضلت جوايا. إني أشوفك مرة أخيرة. وأقولك إني ماخنتش وعدنا. وإني ما سبتكش بإرادتي.
وإني فضلت فاكرة ضحكتك، وصوتك، والمكتبة القديمة، والكتاب اللي اتخانقنا عليه أول مرة. محمود أنا سامحت أبويا. وسامحت أبوك. مش علشان اللي عملوه بسيط. لكن علشان مش عايزة أشيل الوجع معايا لآخر لحظة. وإنت كمان، حاول تسيب
الوجع وراك. مش لازم تبرر ظلمهم، ولا تنسى اللي حصل.
بس ماتخليش الماضي يسرق منك أحمد وأحفادك زي ما سرق مني سنين عمري. أنا عايزاك تعيش يا محمود. تضحك. وتفرح. وتحضر أعياد ميلاد أحفادك. وتحكيلهم عن جدتهم اللي كانت بتحب الكتب والورد الأبيض. ولو افتكرتني يوم، افتكرني وأنا بضحك يوم جوازنا.
مش وأنا تعبانة على سرير المستشفى. وآخر حاجة أنا بحبك يا محمود. من يوم ما كان عندنا سبعتاشر سنة. ولحد آخر نفس في عمري. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التسجيل خلص. لكن أنا فضلت باصص للتليفون. كأن صوتها لسه موجود في الأوضة.
وإن الوعد اللي افتكرته اتكسر، كان عايش جوا قلبها لحد آخر يوم. أحمد قعد جنبي، وسابني أعيط. وبعد فترة، قلتله يا أحمد، أنا عايز أطلب منك طلب. قال بسرعة تؤمر يا بابا. قلت عايز أعمل تحليل النسب اللي أمك كانت بتتكلم عنه. اتغير وشه. إنت شاكك في كلامها؟
مسكت إيده. لا يا ابني. أنا مصدقها، ومصدقك. بس إنت قلتلي إنك محتاج تقفل باب الشك، وأنا عايزك ترتاح طول عمرك. ابتسم والدموع في عينيه. ربنا يخليك ليا يا بابا. بعد أسابيع، عملنا التحليل في معمل معتمد.
ولما ظهرت النتيجة، أكدت إن أحمد ابني. كنت عارف في قلبي قبل الورق. لكن لما مسكت النتيجة، حسيت إني ماسك شهادة ميلاد جديدة لحياتي كلها. أحمد وقف قدامي وقال مبروك يا بابا بقيت أبويا رسميًا قدام الورق كمان.
ضحكت وقلت أنا أبوك من يوم ما اتولدت يا ابني، بس كنت متأخر عن المعاد شوية. ضحكنا إحنا الاتنين. وبعدين حضنته. وفي اليوم ده، أخدته معايا البيت. فتحت درج مكتبي القديم، وطلعت الكتاب اللي ليلى اديتهولي من خمسة وأربعين سنة. كان ورقه اصفر، وغلافه اتقطع من الأطراف.
فتحت أول صفحة. وقريت بصوت عالي إلى محمود بعض الوعود لا يمحوها الزمن. أحمد بص للكتاب، وقال ده خط أمي! ابتسمت. أيوه يا ابني. ده أول هدية منها ليا. قعد يقلب الصفحات، وفجأة وقعت من الكتاب ورقة صغيرة. كنت ناسي وجودها تمامًا. فتحتها.